»فقيد الشباب»… سيرة تعيد بناء لحظة التأسيس في الصحافة العُمانية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
.st0{fill:#2C65A3;} nabd .img-responsive{max-width: 100%;height: auto;} الرئيسية منوعات تفاصيل الخبر »فقيد الشباب»… سيرة تعيد بناء لحظة التأسيس في الصحافة العُمانية الجمعة 03 ابريل 2026, 05:03 ص سيرة تعيد بناء لحظة التأسيس في الصحافة العُمانية.jpg يقدّم كتاب «فقيد الشباب: نصر بن محمد الطائي… رائد الصحافة العُمانية 1932-1971» للباحث نصر ليث الطائي، نموذجًا مختلفًا في كتابة السيرة؛ إذ يتجاوز تتبّع حياة فرد إلى إعادة تركيب المرحلة تأسيسية الأولى لتاريخ الإعلام العُماني. ينطلق العمل الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، من مادة أرشيفية واسعة، تشمل الوثائق والمخطوطات المقصوصات والمراسلات والصور، ويعيد الباحث تنظيمها ضمن بناء منهجي واضح. يقوم هذا البناء على ثلاثة محاور مترابطة: سيرة موثقة، وقراءة تحليلية للنتاج الصحفي، وملحق وثائقي يعزّز المعطيات ويقربها من القارئ. ويمنح هذا التدرج النص تماسكًا، حيث تتكامل الحكاية مع تفسيرها، وتُسند بالوثيقة. ويعود نجاح الكتاب إلى طريقة كتابته بقدر ما يعود إلى موضوعه. فهو يقدّم مثالًا واضحًا على قدرة الأسلوب الجيد في تحويل مادة متخصصة إلى تجربة إنسانية عامة، كما يبرهن على إمكانية الجمع بين الأدب والتوثيق دون تعارض. إذ يعكس أسلوب الكتاب توازنًا بين اللغة الأدبية والانضباط العلمي، حيث تأتي السردية سلسة وقريبة من القارئ، دون أن تفقد عمقها التحليلي أو استنادها إلى الوثائق. ويمنح هذا التوازن العمل قدرة على مخاطبة جمهور واسع، من المهتمين بالتاريخ والإعلام والسير إلى القراء العامين. ما يميّز هذا الكتاب منذ صفحاته الأولى أنه لا يبدأ من "الحدث"، بل من الإحساس به. فاختياره الاستهلال بأبيات من قصيدة لامية العجم ليس زينة أدبية، بل مفتاح قراءة: اغتراب، طموح، صبر، وصراع مع الزمن. وهي ثيمات لا تخص بطل السيرة نصر بن محمد الطائي وحده، بل تلامس تجربة إنسانية أوسع، تجعل القارئ يرى نفسه في الحكاية الملهمة، مهما ابتعدت عنه جغرافيًا أو زمنيًا. تكشف صفحات الكتاب عن تجربة نصر بن محمد الطائي بوصفها جزءًا من مسار أوسع ارتبط ببدايات التطور الحضاري والبناء المؤسسي في الخليج بالإضافة إلى تشكّل الوعي الإعلامي في عُمان. فقد ارتبط اسمه بمناصب قيادية في إمارة أبوظبي ثم بتأسيس المؤسسة العُمانية للصحافة والنشر، وتوليه رئاسة تحرير صحيفة «الوطن»، في مرحلة كانت فيها الكلمة تؤدي دورًا مباشرًا في بناء الوعي العام. وتظهر كتاباته ولقاءاته الصحفية إدراكًا مبكرًا لوظيفة الصحافة، بوصفها أداة توجيه ومشاركة في صناعة التحول والبناء. وتبرز أهمية هذه الشخصية من زاوية التأسيس والإنتاج معًا. فالتجربة لا تقتصر على تمويل مادي أو موقع إداري أو حضور إعلامي، بل تمتد إلى إنتاج فكري يعكس موقفًا من قضايا المجتمع والنهضة. ومن هنا تأتي قيمة الكتاب في إعادة تقديم شخصية نصر بن محمد الطائي ضمن صورة مكتملة، بعد أن ظل حضوره متفرقًا بين مصادر محدودة. وقد نجح المؤلف في جمع هذا الأثر وربطه بسياقه، بما يعيد له مكانته في الذاكرة الثقافية. ولا يقتصر الكتاب على عرض المسار المهني، بل يتناول البعد الإنساني للشخصية، من خلال تتبع نشأتها وتحولاتها وتحدياتها. ويظهر من خلال ذلك نموذج إنساني يجمع بين العلم والطموح والعمل، ويعكس طبيعة المرحلة التي عاشها وواجهها. ويمنح هذا البعد السيرة عمقًا يتجاوز التوثيق، ويجعلها أقرب إلى قراءة في تجربة إنسانية كاملة. يؤدي الأرشيف في هذا العمل دورًا أساسيًا في بناء المعنى. فالوثائق لا تُعرض بوصفها شواهد مستقلة، بل تُدمج في السرد لتوضيح السياق وتعزيز الفهم. وتتيح هذه الطريقة للقارئ رؤية التفاصيل كما كانت، وفهم العلاقة بين النص والواقع الذي أنتجه. ويعزز ذلك مصداقية العمل ويقوّي بنيته. أما على مستوى الأسلوب، فجاءت اللغة متوازنة، واضحة ومتماسكة، تخدم الفكرة دون تعقيد، وتحافظ على انسياب السرد. ويتيح هذا التوازن وصول المضمون إلى القارئ بسهولة، مع الاحتفاظ بعمقه ودقته. وتبرز في السيرة مفارقة إنسانية لافتة؛ إذ انتهت حياة الطائي في سن مبكرة لم تتجاوز السابعة والثلاثين، بينما ظل أثره حاضرًا بعد رحيله. وتفتح هذه المفارقة مجالًا للتأمل في معنى الإنجاز، وفي قدرة التجارب الفردية على تجاوز حدود الزمن. ويقدّم «فقيد الشباب» بذلك إسهامًا مهمًا في كتابة السيرة الثقافية القائمة على البحث والتحليل. كما يعيد لفت الانتباه إلى أهمية توثيق تجارب الرواد في شتى المجالات، وربطها بسياقاتها، بوصفها جزءًا من فهم الحاضر. في المحصلة، يضع هذا الكتاب أمام القارئ تجربة تأسيسية في تاريخ الصحافة العُمانية، ويعيد قراءتها ضمن إطارها التاريخي والإنساني. ومن خلال هذا الجهد، يتحول التوثيق إلى معرفة ناطقة، وتغدو السيرة مدخلًا لفهم مرحلة كاملة مرت بها المنطقة. عاجل وكالة قدس نت للأنباء © 2026