فجوات بنيوية في مسودة قانون العدالة الانتقالية
لمى قنوت
أعدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مسودة قانون العدالة الانتقالية، بالتعاون مع خبراء من كلية الحقوق بجامعة “دمشق” وخبراء قانونيين مستقلين، كما ورد في العنوان، وأشارت بعض المصادر إلى مشاركة بعض منظمات المجتمع المدني وبعض الوزارات، مثل وزارة العدل، ولم يُنشر القانون رسميًا حتى الآن. وهو يحتاج إلى تصديق مجلس الشعب، الذي لم يكتمل نصاب تعيين أعضائه بانتظار الكتلة المعيّنة من الرئيس الانتقالي والبالغ عددها 70 فردًا. وبشكل عام لن يُعمل بهذا القانون إلا بعد 30 يومًا من تاريخ تصديقه من مجلس الشعب، وذلك حسب المادة “36” من مسودة القانون.
تتمثل الأهداف الأساسية للقانون في كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت في سوريا خلال الفترة الممتدة بين 16 من تشرين الثاني 1970 و8 من كانون الأول 2024، ومحاسبة الجناة، وجبر الضرر والتمكين ورد الاعتبار للضحايا، والإصلاح المؤسساتي وضمان عدم التكرار، وتعزيز المصالحة الوطنية والسلم الأهلي، وحفظ الذاكرة الوطنية الجماعية، وترسيخ ثقافة سيادة القانون والمواطنة وحقوق الإنسان، وتمكين الضحايا والمجتمع المدني من المشاركة الفعالة في مسارات العدالة الانتقالية، وأخيرًا تحقيق الانسجام مع الالتزامات الدولية لسوريا كما ورد في الإعلان الدستوري.
وبشكل أولي، وبحسب ما تتيحه مساحة هذه المادة، يمكن رصد بعض الفجوات البنيوية في القانون:
فجوات البعد التحويلي
في القسم الثاني من القانون، الباب الأول، وتحت عنوان “المصطلحات والنطاق”، ورد تعريف جبر الضرر وفق المادة “1” بأنه: “وقف الفعل الضار وآثاره المستمرة وإعادة الحال إلى ما كان عليه إن أمكن وإلا فالتعويض المادي والمعنوي”، وهو المبدأ الأول الذي قامت عليه المبادئ الأساسية والتوجيهية الخمسة لتدابير جبر الضرر التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2005، ولكن، يعد مبدأ إعادة الضحية إلى الوضع الأصلي غير منصف في البنى القمعية وسياقات انعدام العدالة الاجتماعية، والتي يتضاعف فيها أثر الجرائم والانتهاكات.
ومن خلال بحث بعنوان: “جبر الضرر التحولي لعدالة انتقالية أكثر إنصافًا في سوريا.. تحليل تقاطعي وأطر عمل لتفكيك المظالم الهيكلية”، والذي قدم إطارًا مفاهيميًا لمعالجات جذرية في سياقات مظالم على ثلاثة مستويات هي: التمييز على أساس محاور أبوية ومعيارية قسرية، والتمييز الطبقي وضحايا الإفقار الممنهج، والتمييز على أساس القدرة الجسدية والعقلية والعدالة لذوي وذوات الإعاقة، وخلُص البحث إلى أن “جبر الضرر التحولي الذي يُدرج تدابير عدالة اجتماعية شاملة تشمل الحقوق والحريات، والتمييز المباشر وغير المباشر، وتقلل من تفاوتات القوة، هو مسار أكثر إنصافًا ونجاعة مستدامة”.
اعتمدت الهيئة في مسودة القانون، إشراك النساء بنسبة لا تقل على 30% في جميع المسارات ومؤسسات الهيئة كما ورد في الباب الثالث (المادة 6)، ومع تجاهل البعد التحويلي في نص القانون، يمكن توصيف اعتماد “الكوتا” فقط على أنه بُعد إجرائي رمزي لا يرقى للعدالة الجندرية، وقد لا يضمن إشراك نساء متنوعات، وخاصة مع استبعاد شرائح واسعة من المدافعات عن الحقوق والحريات والمنظمات النسوية خلال مشاورات إعداد مسودة هذا القانون، وهو يؤسس لعدالة انتقالية عمياء جندريًا، لا تعالج العنف والمظالم البنيوية فقط، بل تحافظ على البنى المؤسساتية التي أنتجت العنف والتهميش. ومن هذا المنطلق، تأتي مخاطر عدم المشورات الواسعة، وتجاهل تأسيس وحدة جندرية ذات صلاحيات تقريرية داخل الهيئة من أجل هيكلة برامج جبر الضرر التحولي، ودمج العدسة النسوية التقاطعية، بدءًا من قانون العدالة الانتقالية ولجانها، وبضمنها إدماج الجندر في الإصلاح المؤسسي والقانوني، وآليات عمل الهيئة في تقاريرها وتوصياتها.
الاختلال المعياري
عرّف القسم الثاني- الباب الأول من القانون، مصطلح “النظام الأسدي”، بينما تجاهل تعريف وتحديد “جميع الأطراف التي تدخلت في النزاع المسلح”، الواردة في متن القانون، وهو اختلال معياري له أثر قانوني ومعرفي، وسينعكس على ضحايا تلك الأطراف وحقوقهم، وعلى الذاكرة الجمعية، ويتناقض تمامًا مع ضمانات نجاح العدالة الانتقالية التي نص عليها القانون، مثل، استقلالية الهيئة وحياديتها عن السلطة، ومشاركة الضحايا في جميع مسارات العدالة الانتقالية، وعدم التمييز بينهم. وبهذا المعنى تكون الهيئة قد حولت العدالة من عدالة شاملة إلى عدالة انتقائية، وخلقت فجوة بين القانون والواقع، وفقد القانون حياده وفُرغ من غايته.
وينطبق الأمر أيضًا على الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بعد تاريخ 8 من كانون الأول 2024، الذي أطرت به هيئة العدالة الانتقالية نهاية ولايتها، وقطعت بشكل تعسفي معالجة استمرار العنف، وبترت توثيقة في سردية الذاكرة الجمعية وتخليد ذكرى الضحايا، وأهدرت المعالجة المؤسساتية لضمانات عدم التكرار بعد سقوط النظام البائد، وميزت بين الضحايا وحرمتهم من التعويضات وجبر الضرر في إطار شامل ومنصف يعالج التفكك المجتمعي ويسهم في بناء السلم الأهلي.
وبالمحصلة، فإن عدم تسمية جميع الأطراف التي شاركت في النزاع المسلح، وعدم تشميل الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بعد سقوط النظام، هو قرار سياسي غير عادل، أُلبس لبوسًا قانونيًا، أعاد تعريف الضحية ومن يستحق العدالة، وهو يتناقض مع مواد في الإعلان الدستوري، مثل المادة رقم “10”، والمادة “12”، والمادة “18”، والمادة “19”، ويتعارض مع مبدأ عدم التمييز في القانون الدولي لحقوق الإنسان والتوصيات الدولية لمسارات العدالة الانتقالية.
إشكالية المرجعية المزدوجة
تحت عنوان “في الأساس الشرعي والدستوري” للقانون، استند إلى المبادئ الدستورية والتزامات سوريا بموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها سابقًا، وعلى القواعد العرفية للقانون الإنساني الدولي، وعلى “الأساس الشرعي المستمد من أحكام الشريعة الإسلامية”، وهي مرجعيات ستخضع النساء بتنوعاتهن وتنوع سياقاتهن إلى نظامين قانونيين مختلفين، فالقانون الدولي لحقوق الإنسان ينص على الحقوق المتساوية، وعدم التمييز، وهي حقوق غير قابلة للتجزئة، بينما التفسيرات الفقهية للشريعة تمييزية ضد النساء، الأمر الذي سيؤدي إلى خلل في تحقيق العدالة، والمزيد من تجذير آثار المظالم المتقاطعة.
فعلى سبيل لا الحصر، تتضمن المعايير الدولية لجبر الضرر التحولي رؤية الانتهاكات وآثارها بعدسة جندرية تقاطعية، وتعطي حقوقًا اقتصادية متساوية، بينما تنص الأطر الفقهية بالتمييز في مسائل الإرث والتعويض بين النساء والرجال، وتقيد النساء بتنوعاتهن في التنقل والحركة والوصاية على الذات والأبناء، ولا تعالج البنية الأبوية في المؤسسات والمجتمعات التي أدت إلى تأنيث الفقر والتطبيع مع العنف المبني على النوع الاجتماعي، وهذا التناقض سيحرم الكثير من النساء من العدالة والإنصاف.
كما أن عدم التنصيص على سمو المعايير الدولية لحقوق الإنسان في المبادئ التي يستند إليها القانون، سيخلق تناقضًا مرجعيًا مع ما ورد في فقرة “فلسفة القانون ومبادئه”، التي تنص على مبدأ “المساواة أمام القانون” دون تمييز على أساس النوع الاجتماعي.





