🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
412440 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 3139 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 5 ثواني

ضيوف الله وأنثروبولوجيا الحج

العالم
إيلاف
2026/05/25 - 02:00 503 مشاهدة
كلما جاءَ موسمُ الحج وددتُ الكتابة، لكنَّ القلمَ كان دائماً ممتلئاً بالمعاني لا المداد. فأول مرةٍ ذهبت فيها إلى مكة كانت لحظةَ تغيّر كبرى، وما لك إلَّا أن تتأمَّلَ الفارقَ بين صلاةٍ كنت تؤديها في خط مستقيم نحو القبلة، ولحظة تجد نفسَك فيها في قلب القبلة، ويمكنك أن تولّي وجهك ما شئت؛ شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. حالة الطواف في العقل والقلب حول الكعبة تصيبك بقشعريرة، فتتأمل أموراً أوسعَ وأكبر. فعندما تنظر إلى الوجوه في الحرم، التي تصل أحياناً إلى حد التقابل، كلٌّ من زاويته في اتجاه الكعبة، لا بد أن ترِد على قلبك الآية: «على سُرر متقابلين»، وتسأل: هل «متقابلين» هنا مجرد تدريب أو بروفة على «متقابلين» هناك؟ ولكن: «ولمن خاف مقام ربه جنتان»، فهل تلك الحالة التي نخلع فيها رداء الغل ووزر الضغينة والحسد هي الجنة الأولى؟ ليس لديّ شك في ذلك. لست أول من يكتب عن الحج كتجربة شعورية، فقد كتب عنها كثيرون من المسلمين وغير المسلمين، لكن هذا النوع من الكتابة تميز به الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي في كتابه «حكاية حج: موسم في مكة». لم يكتب حمودي عن المناسك فقط، بل عن دخولِ الحج في عالم الدولة الحديثة؛ القرعة، والتصاريح، والجوازات، والإجراءات التي تحيط بالمقدس... وكانَ يعيش توتراً بين المؤمن الذي يؤدي الشعيرة، والباحث الذي يسجل الملاحظات على طريقة «المشاهد المشارك»، وهو المنهج الذي أسسه برونيسواف مالينوفسكي، ثم طوره لاحقاً كليفورد غيرتز وطلال أسد. لكن سؤال حمودي كان الأصعب: كيف يكتب الأنثروبولوجي عن ثقافة ينتمي إليها ويؤمن بعقيدتها؟ فهو لم يكن يراقب الحجيجَ فقط، بل كان يشاهد نفسَه وهو يتحوّل إلى حاج. كنت أكثر حظاً من حمودي؛ لأنني لست أنثروبولوجياً، وإن كنت أملك قراءة نقدية للأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا ضمن الحقول المعرفية. ذهبت إلى مكة مؤمناً، ولكن مؤمن يريد أن يعرف. أردت أن أكون في الزحام كجهاز استقبال يلتقط كل شيء بلا أحكام مسبقة، قادراً على تأمل لحظة «على سُرر متقابلين»، ثم الانتقال إلى معنى «في بيوت أذن الله أن تُرفع»، لتسأل نفسك: هل هذا البيت على الأرض أو مرفوع فوقَها؟ ومن هنا تبدأ رحلة أخرى بين الأرضي والسماوي، وبين المقدس وغير المقدس، وبين الحجر والمعنى. سمعت من أناس قالوا إنَّهم أثناء الطواف كانوا يشعرون كأنَّهم يطيرون فوق الكعبة ويرون المشهدَ من أعلى، ولم يداخلني شكٌّ في صدق تجربتهم. فالتحول يحدث بالفعل؛ يتحول الإنسان من فرد عادي إلى «حاج». وهنا تحديداً يلتقي الحس الديني بالأنثروبولوجيا. فالأنثروبولوجي فيكتور تيرنر رأى أنَّ الطقوس الكبرى ليست مجرد شعائر، بل «حالات عبور» ينتقل فيها الإنسان من وضع اجتماعي إلى آخر. والحاج بالفعل يمر بحالة تعليق للهوية؛ يخلع ملابسه المعتادة، ويفقد اسمَه وطبقته ومكانته، ليصبح مجرد «حاج». الإحرام هنا ليس لباساً فقط، بل مساواة مؤقتة، وموت رمزي للحياة اليومية قبل ولادة جديدة. ولو جاء أرجون أبادوراي إلى الحج لربَّما قال إنَّ مكة كانت مركزاً للعولمة قبل أن يعرف العالم العولمة الحديثة؛ ففيها حركة البشر والأفكار والأموال واللغات، وكل ما وصفه في كتابه «موديرنتي آت لارج» عن «عوالم التدفق» التي تصنع الحداثة المعولمة. لكن مكة تختلف عن كل مدن العالم؛ فالناس لا يأتون إليها كسياحٍ أو تجار فقط، بل كضيوف لله. وربما لهذا ظل معنى «ضيف الله» من أجمل المعاني في ثقافتنا. كان لي خال رحمه الله اسمه ضيف الله، وكان في اسم والدتي المعنى ذاته. واليوم فقط أفهم أنَّ الاسمَ لم يكن مجرد تسمية، بل وصفاً لحالة العبور المؤقت من العالم إلى معنى أكبر منه.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤