د.محمد خليل رضا:هل تقارير الأطباء الشرعيين صحيحة مئة بالمئة؟
أم أنها قد تحتوي على خلل وثغرات وشكوك وملاحظات عميقة؟
بقلم الدكتور: محمد خليل رضا
الطب الشرعي: علم حساس ودقيق
الطب الشرعي هو علم حساس ودقيق، ومعقد، وعلمي، ومهني، وعميق، ومتفرّع، وقانوني، وإنساني، وله أهمية كبيرة جدًا.
إن الكلمة الأولى والنهائية والحاسمة والجازمة والمؤكدة في تحديد التشخيص، ومعرفة السبب الأكيد والنهائي للوفاة، تعود إلى الطب الشرعي، وذلك من أجل كشف الحقيقة وعدم بقاء السر أو اللغز محتفظًا به داخل قبر المتوفى.
وفي حال عدم الوصول إلى الحقيقة، فقد يبقى الفاعل مجهولًا.
التقارير الطبية الشرعية بين الحقيقة والشكوك
أتحدث هنا بشكل عام، وتحديدًا عن الواقع في لبنان.
عندما نسمع في وسائل الإعلام عن وجود شكوك أو غموض أو ثغرات تطال حالة معينة، بما فيها تشريح الجثة (Autopsie) والتقارير الطبية الشرعية التي صدرت حينها، يثار التساؤل حول مدى وضوح هذه التقارير، ومدى اقتناعها من الناحية العلمية والطبية والشرعية.
ولكي أضع النقاط على الحروف، سأذكر حالة حصلت ونشرت في وسائل الإعلام، وهي ليست من الأسرار ولا من أسرار هذه الدولة أو تلك.
وجود ثلاثة تقارير طبية شرعية مختلفة
حصلنا على ثلاثة تقارير طبية شرعية مختلفة للضحية نفسها:
(X.Y) — 31 سنة.
وعليه، قرر القضاء المختص بتاريخ:
21 كانون الثاني 2026
وبعد موافقة الأهل، نبش القبر، ويُطلق على ذلك في لغة الطب الشرعي:
Exhumation
وتمت معاينة الجثمان وتشريحه، وأُخذت عينات جديدة، والموضوع طويل وشائك.
آثار التعذيب والعنف الجسدي
كما ذُكر حينها، فإن الضحية كان قد تعرض للتعذيب من جهة (X)، وكانت آثار التعذيب واضحة وجلية على جسده، إضافة إلى آثار الأصفاد، حيث كان مقيدًا، وكانت بصماتها ظاهرة بوضوح على المعصمين.
وأتكلم هنا كطبيب شرعي محايد جدًا، واختصاصي في تشريح الجثث، وعلم الضحايا، والأذى الجسدي، والقانون الطبي، وعلم الجرائم، والجراحة، وأستاذ جامعي، وأستاذ مساعد سابق في مستشفيات باريس – فرنسا.
معاينة الجثة والكدمات
إن معاينة الجثة، وتحت إضاءة قوية، تساعدنا على الكشف عن الكدمات:
(Ecchymoses)
في حال تعرض الضحية للعنف الجسدي أو الضرب المبرح أو التعذيب.
وهذا يدخل في صميم اختصاصات الطب الشرعي.
ومن أساسيات معاينة الجثة:
Levé du corps
أي معاينة الجثة خارجيًا، أينما وجدت، وقبل البدء بتشريحها.
فإذا وجدنا كدمات مطبوعة على جسد الضحية، نقوم بقياس طولها وعرضها، وندون في الملف الرسمي موقعها التشريحي:
(Anatomique)
كما يتم تصويرها فورًا، مع ذكر اليوم والتاريخ والوقت بالساعات والدقائق.
وذلك لأن الكدمات تتغير ألوانها مع مرور الزمن، وقد تختفي خلال أسبوعين، وهناك من يرى أنها قد تستمر حتى ثلاثة أسابيع.
مراحل تغير ألوان الكدمات
أولًا:
يظهر اللون الأحمر فور حدوث الإصابة، بسبب تجمع الدم الطازج الغني بالأوكسجين:
(O₂)
تحت سطح الجلد.
ثانيًا:
يظهر اللون الأزرق أو الأرجواني أو الأسود بعد يوم إلى يومين من التعرض للضربة أو العنف، بسبب فقدان الدم للأوكسجين وتغير لونه.
ثالثًا:
يظهر اللون الأخضر والأصفر بعد حوالي 5 إلى 10 أيام من التعرض للعنف، نتيجة تحلل الهيموغلوبين:
(Hémoglobine)
وتشكل مركبات جديدة في الدم.
رابعًا:
يظهر اللون البني أو البني الفاتح بعد أسبوعين تقريبًا، قبل اختفاء الكدمة نهائيًا.تسليم الجثمان والتقارير الطبية الشرعية
وكما سمعنا في وسائل الإعلام، تم تسليم جثمان الضحية إلى والده يوم الأربعاء بتاريخ:
7/1/2026
وبتاريخ:
17/1/2026
صدر عن جهات ومؤسسة عسكرية رسمية بيان توضيحي حول الحادثة، وقد نُقل مضمونه في وسائل الإعلام.
وكما ورد أيضًا في الإعلام، فإنه بعد توقيف المدعو:
(X.Y)
للتحقيق معه، تم نقله إلى المستشفى بعد ظهور عوارض صحية استدعت فحصه، ثم توفي في المستشفى لاحقًا.
سؤال طبي وقانوني
وهنا أطرح السؤال تحديدًا:
هل عندما تم نقله إلى المستشفى كان حيًّا يُرزق؟
أي: هل كان على قيد الحياة؟ وهل كان واعيًا؟
إن هذا السؤال يحتاج إلى إجابة صادقة، وقانونية، وطبية، وعلمية، وشرعية، وكذلك إجابة ضميرية ووجدانية بكل المقاييس.
مع العلم أنه، وقبل تسليم الجثمان إلى والده، تم الكشف عليه من قبل ثلاثة أطباء شرعيين، كما قيل حينها، مع وجود تقارير طبية شرعية مختلفة.
احتمال وجود إصابة في الرأس
ذكر والد الضحية لوسائل الإعلام أن ابنه كان يعاني من مرض الصرع:
(Épilepsie)
كما قيل لاحقًا، وبحسب أهل الضحية، إن سبب الوفاة ناتج عن نزيف داخلي بسبب ضربة على الرأس.
لكن من وجهة نظري، ومن خلال موقعي العلمي المتواضع جدًا، توجد فحوصات وصور شعاعية ومعاينة للجثة، إضافة إلى فحص الرأس يدويًا، وحلق الشعر، ووضع شاش أبيض:
(Compresse)
في مكان أو أماكن معينة من الرأس، قد تساعد في كشف وجود جروح أو كسور أو كدمات أو آثار عنف وضرب وتعذيب.
معاينة الرأس قبل التشريح
وهذا يدخل ضمن أساسيات:
Levé du corps
أي معاينة الجثة قبل التشريح.
فهي قد تقدم قرائن مهمة قانونيًا حول سبب الوفاة أو أحد أسبابها.
كما أن الصور الشعاعية للدماغ، قبل التشريح، قد تعطينا فكرة عن حالة الأوعية الدموية من شرايين وأوردة.
وفي حال وجود نزيف داخلي في الدماغ، فإن استخدام المادة الحاجبة:
(Produit de contraste)
أو التصوير بالسكانر، أو التصوير بالرنين المغناطيسي للأوعية الدموية بعد الوفاة:
(Angio-IRM cérébral post-mortem)
قد يكشف عن تسرب المادة الحاجبة خارج الأوعية الدموية:
(Extravasation de produit de contraste)
وهذا قد يكون دليلًا واضحًا على وجود نزيف دماغي.
الأسباب المحتملة للوفاة
وفي هذه الحالة يمكن طرح عدة احتمالات، مع ضرورة دراسة كامل الملف والظروف المحيطة بالحادثة:
أولًا:
التعرض للضرب والعنف المبرح على الرأس، إذا أظهرت الصور الشعاعية وجود كسر أو كسور في عظام الجمجمة، أو إذا أثبت التشريح وجود إصابات متوافقة مع ذلك.
ثانيًا:
ارتفاع حاد ومفاجئ في ضغط الدم نتيجة التوتر والخوف والضغط النفسي الشديد، وما يرافق ذلك من ارتفاع في هرمونات التوتر مثل:
الأدرينالين.
النورأدرينالين.
الكورتيزول.
وفي هذه الحالة يمكن أخذ عينات مناسبة ودراسة المؤشرات الطبية المرتبطة بذلك، ويبنى على النتائج ما يلزم.
ثالثًا:
احتمال انفجار أمّ الدم الدماغية:
(Anévrisme de Berry)
وهي تمدد شرياني صغير يشبه حبة الكرز، وغالبًا ما يوجد عند تفرعات دائرة ويليس في الدماغ:
(Cercle de Willis)
العلاقة السببية بين الإصابة والوفاة
في حال وجود أمّ الدم الدماغية، فإن تحديد سبب الوفاة يحتاج إلى دراسة دقيقة.
فهي قد تكون تشوهًا خلقيًا في شرايين الدماغ، وقد تكون صامتة دون أعراض واضحة، وقد تظهر أحيانًا بعلامات سريرية مزعجة.
وهنا يطرح سؤال علمي وقانوني مهم حول العلاقة السببية:
(Lien de causalité)
بين وفاة الضحية ووجود:
(Anévrisme de Berry)
والإجابة عن هذا السؤال لا تكون إلا من خلال دراسة كامل الملف، وحيثيات الحادثة، وظروفها، ومدى وجود خوف أو ضرب أو تعذيب أو ضغط نفسي شديد، وتأثير ذلك على الجسم.
وعندها فقط يمكن بناء النتيجة العلمية والقانونية، وبحيادية مطلقة، حتى لا يُظلم أحد.
الدكتور محمد خليل رضا
بيروت – لبنان
خريج جامعات ومستشفيات فرنسا:
باريس – ليون – ليل
The post د.محمد خليل رضا:هل تقارير الأطباء الشرعيين صحيحة مئة بالمئة؟ أم أنها قد تحتوي على خلل وثغرات وشكوك وملاحظات عميقة؟ appeared first on Beirut News Center.




