دعم السينما غنيمة مغلقة في عهد المهدي بنسعيد وسط حديث عن تورط أعضاء لجان ومستشارين مقربين في توزيع المال العام
لم يعد ممكناً التستر خلف لغة الخشب أو البلاغات الرسمية، ما يجري داخل قطاع السينما المغربية اليوم ليس اختلالات ولا نقاشاً مهنياً، بل منظومة متكاملة لإعادة توزيع المال العام على دائرة ضيقة من المحظوظين، تحت إشراف وزارة يفترض أنها حامية للثقافة فإذا بها تتحول إلى مظلة للريع.
شهادات متطابقة من منتجين ومخرجين، داخل المغرب وخارجه، تؤكد أن نتائج الدعم لم تعد تُحسم داخل لجان مستقلة، بل تُطبخ مسبقاً في كواليس مغلقة، حيث تُوزع “الكعكة” قبل حتى فتح باب الترشيح، ودورة ماي 2026 ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في مسلسل محسوم سلفاً، تُعرف فيه أسماء الفائزين قبل أن تُقرأ الملفات.
في قلب هذه المنظومة تقف شبكة مصالح متشابكة بين بعض أعضاء لجان الدعم، ومستشارين مقربين من الوزير، وتحالف غير معلن داخل ما يسمى بالغرف المهنية، حسب تظلم منتجين “قطعت أرزاقهم” في رسالة تتوفر “عبّر.كوم” على نسخة منها، موجهة الى رئيس المركز السينمائي المغربي، مشيرين الى أن هذا التحالف لم يعد مجرد إطار تمثيلي، بل تحول إلى سلطة فعلية تتحكم في من يستفيد ومن يُقصى.
شركات الإنتاج المحظوظة، والتي تكرر حضورها بشكل لافت في لوائح الدعم، وتحصد الملايين سنة بعد أخرى، وهو ما استغرب بل تعجب له المقصيين، وتساؤلو عن المعايير التي تجعل من نفس الأسماء دائمة الظفر بالدعم.
شركة Atlantis Films وحدها حصدت ما يقارب 7.49 مليون درهم عبر مشاريع متعددة، من الوثائقي إلى الفيلم الطويل.
شركة Plot Pictures اقتربت من 1.32 مليون درهم عبر دعم متكرر للكتابة والأفلام القصيرة.
شركة Zorba Prod قفزت إلى حوالي 3.6 مليون درهم، منتقلة بسرعة مريبة نحو تمويل الأفلام الطويلة.
شركة Films Elite حوالي 000 50 3 درهم
شركة Boostart Production عرفت بدورها طفرة صادمة، من دعم متواضع إلى أكثر من 3.1 مليون درهم دفعة واحدة.
شركة Clap Films انتزعت 3 ملايين درهم في ظهور شبه وحيد لكنه ثقيل.
أما Hanane Films Agency فجمعت قرابة 900 ألف درهم في سنة واحدة فقط.
هل نحن أمام صدفة جماعية؟ أم أمام نظام يشتغل بمنطق نفس الوجوه، نفس الامتيازات؟
الأخطر من ذلك أن هذا الاحتكار لا يقوم فقط على العلاقات، بل يُدعّم حسب شهادات مهنيين، بآليات ضغط وابتزاز، تتجاوز الكواليس إلى الفضاء الرقمي، منصات إعلامية محسوبة على هذا اللوبي تحولت إلى أدوات لتصفية الحسابات، فمن يخرج عن الصف يُهاجم، ومن يلتزم الصمت يُكافأ.
ولم تعد الصحافة هنا سلطة رقابة، بل سلاحاً في معركة نفوذ، تُنشر الفضائح بانتقائية، وتُستعمل الملفات القضائية كوسيلة ضغط، في رسائل غير مشفرة للمسؤولين، فإما تمرير الملفات أو فتح النار إعلامياً.
وفي ظل هذا المناخ، اضطر معه المنتجون الصغار للانسحاب من المنافسة قبل أن تبدأ.. لماذا يضيعون الوقت والمال في إعداد مشاريع يعرفون سلفاً أنها لن تمر؟ لماذا يدخلون سباقاً نتيجته محسومة؟
هكذا تُفرغ السينما من روحها
لا تنافس، لا مفاجآت، لا عدالة فقط إعادة تدوير لنفس الشبكة، التي تحظى بأموال عمومية تُضخ دون مردودية فنية حقيقية، وكفاءات تغادر في صمت، وصورة المغرب الثقافية تتآكل تدريجياً.
كل هذا يحدث في وقت يدعو فيه جلالة الملك محمد السادس إلى الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وحسب الوثيقة التي توصلت بها جريدة “عبّر.كوم”، فعدد متزايد من المهنيين يستعد لكشف كل التفاصيل، واللجوء إلى أعلى المؤسسات، لأن ما يجري لم يعد مجرد صراع مهني، بل قضية رأي عام، حين تتحول الثقافة إلى ريع، فإن الخطر لا يهدد السينما فقط، بل يهدد معنى العدالة داخل الدولة نفسها.
