من الريلز والألعاب السريعة إلى إعادة بناء الانتباه والالتزام بالمهمة
في مشهد يتكرر يوميًا في آلاف البيوت، يجلس طفل يتنقل بين عشرات المقاطع القصيرة خلال دقائق معدودة؛ يضحك هنا، ويندهش هناك، ثم يمرر الشاشة سريعًا نحو محتوى جديد. وبعد قليل يطلب لعبة جديدة، ثم يتركها قبل أن يكتمل اللعب، ويبدأ الرسم ولا ينهيه، ويفتح الكتاب ثم يغلقه بعد صفحات قليلة. وهنا يبدأ الأهل بالتساؤل: هل فقد أطفالنا القدرة على التركيز؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. فمن الخطأ القول إن الـReels أو الفيديوهات القصيرة "تدمر الدماغ"، كما أنه من غير الدقيق اعتبارها السبب الوحيد وراء ضعف الانتباه أو تراجع المثابرة. لكن ما تؤكده كثير من الدراسات هو أن البيئة الرقمية الحديثة أصبحت تدرّب الأطفال والشباب على نمط معيّن من الانتباه يقوم على التغيير السريع والمكافأة الفورية والانتقال المستمر بين المثيرات، وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
فعندما يشاهد الطفل مقطعًا مدته خمس عشرة أو عشرون ثانية، يدخل دماغه في سلسلة متتابعة من المثيرات: مثير جديد، فمكافأة، فمفاجأة، ثم مثير جديد، وتتكرر هذه الدورة عشرات وربما مئات المرات في جلسة مشاهدة واحدة. ومن منظور تربوي، فإن الدماغ يتعلم من الخبرات المتكررة التي يعيشها أكثر مما يتعلم من النصائح التي يسمعها، وعندما يتدرب يوميًا على استقبال محفز جديد كل بضع ثوانٍ يبدأ بتكوين توقّع ضمني بأن الإثارة يجب أن تكون حاضرة دائمًا، وأن الانتظار ليس ضروريًا. في المقابل، يحدث التعلم الحقيقي وبناء المهارات بطريقة مختلفة تمامًا؛ فعندما يقرأ الطالب كتابًا، أو يحل مسألة رياضية، أو يتدرب على آلة موسيقية، أو ينجز مشروعًا علميًا، فإنه يمر بمراحل تتطلب الصبر وتحمّل الأخطاء والتعامل مع فترات من الجهد والبطء قبل الوصول إلى النتيجة. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين "الاستهلاك السريع للمثيرات" و"بناء القدرات".
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس كم ساعة يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل ما نوع الانتباه الذي يتدرب عليه يوميًا. فالطالب الذي يقضي وقتًا في البحث أو البرمجة أو التصميم أو الألعاب الاستراتيجية يختلف عن الطالب الذي يقضي الساعات في التمرير اللانهائي للمحتوى القصير؛ إذ إن الفرق ليس في وجود الشاشة، بل في طبيعة النشاط الذي يحدث عبرها. ومن هنا فإن التحدي التربوي الأكبر لا يتعلق بمنع التكنولوجيا، وإنما بمنعها من أن تكون الشكل الوحيد للخبرة العقلية التي يعيشها الطفل.
ومن أخطر الآثار السلوكية التي نلاحظها اليوم أن بعض الأطفال أصبحوا أقل قدرة على إكمال المهام التي تتطلب الاستمرار؛ فيبدأ النشاط ثم يتركه، ويبدأ مشروعًا ثم ينتقل إلى غيره، ويطلب لعبة ثم يمل منها سريعًا، بل يحدث ذلك أحيانًا حتى في الأنشطة التي كان يحبها سابقًا. والسبب لا يعود إلى الكسل أو ضعف الشخصية، بل إلى نمط تعلّم سلوكي يتشكل تدريجيًا ويقول للطفل إنه إذا لم يكن النشاط ممتعًا الآن فليبحث عن شيء آخر، وإذا ظهرت صعوبة فلينتقل إلى خيار جديد، وإذا تأخرت المكافأة فليبحث عن مكافأة أسرع. ومع الوقت يتحول هذا النمط من مجرد سلوك رقمي إلى أسلوب حياة.
ولعل المشكلة الأعمق هي تراجع قدرة الأطفال على تحمّل الملل، فقد أصبح الملل في نظر كثير منهم حالة يجب التخلص منها فورًا. لكن علماء التربية ينظرون إلى الأمر بطريقة مختلفة؛ فالملل ليس عدوًا دائمًا، ففي لحظاته يبدأ الخيال بالعمل، وفي لحظات الفراغ تظهر الأسئلة، وفي أوقات الهدوء تتولد الأفكار الجديدة، بل إن كثيرًا من مهارات الإبداع وحل المشكلات تنمو عندما لا يكون العقل مشغولًا باستقبال محفزات متتابعة طوال الوقت. إن الطفل الذي يتعلم كيف يتعامل مع لحظات الملل دون الهروب الفوري إلى الشاشة يكتسب في الحقيقة مهارة من أهم مهارات القرن الحادي والعشرين، وهي إدارة الذات.
فالعالم الذي سيدخله أبناؤنا لا يكافئ الأشخاص القادرين على التمرير السريع بين المقاطع، بل يكافئ من يستطيعون التركيز لفترات طويلة، وتحليل المعلومات، وحل المشكلات المعقدة، واتخاذ القرارات، والعمل ضمن أهداف بعيدة المدى، والتعلم المستمر. وهذه المهارات لا تتطور عبر المكافآت الفورية ، وإنما عبر ما يسميه التربيون "التفكير العميق"؛ فالتفكير العميق يحتاج إلى وقت، والإبداع يحتاج إلى وقت، وبناء الخبرة يحتاج إلى وقت، ولا يمكن للعقل أن يتقن هذه العمليات إذا اعتاد الانتقال المستمر بين عشرات المثيرات في الدقيقة الواحدة.
ومن الإنصاف هنا أن نميّز بين أنواع التكنولوجيا المختلفة، فليست كل الشاشات متشابهة. فبعض الألعاب الإلكترونية تتطلب التخطيط واتخاذ القرار وحل المشكلات والعمل الجماعي والذاكرة العاملة والمثابرة للوصول إلى هدف، أما التمرير اللانهائي للفيديوهات القصيرة فيعتمد غالبًا على الاستهلاك السريع للمحتوى دون جهد معرفي كبير. لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس هل يستخدم ابني التكنولوجيا، بل كيف يستخدمها، وماذا يتعلم منها، وماذا أزاحت من أنشطة حياته الأخرى.
والحل ليس إعلان الحرب على التكنولوجيا، فهي ستبقى جزءًا من حياتنا وحياة أبنائنا، لكن المطلوب هو إعادة تدريب مهارات الانتباه وضبط الذات عبر مجموعة من المبادئ التربوية البسيطة. فبدلاً من جعل الشاشة النشاط الأساسي، تصبح مكافأة تأتي بعد إكمال مهمة واضحة ومتفق عليها، أي أن تأتي المهمة قبل المكافأة. وبدل مطالبة الطفل بالتركيز ساعة كاملة، نبدأ بخمس دقائق من العمل المنجز ثم نزيد المدة تدريجيًا، مع تدريبه على إكمال ما بدأه؛ فليس المهم أن يقضي وقتًا طويلًا في النشاط، بل أن يتعلم الوصول إلى نقطة الإنجاز قبل الانتقال إلى نشاط آخر. ويأتي إلى جانب ذلك إعادة إحياء الأنشطة البطيئة مثل القراءة والرسم والبازل والرياضة والأشغال اليدوية والزراعة والطبخ وألعاب البناء والمشاريع المنزلية، لأنها تدرب الدماغ على المهارات التي لا تمنحها الريلز، وهي الصبر والتخطيط والمثابرة. وأخيرًا يتعلم الطفل كيف يدير الملل؛ فعندما يقول: "أنا زهقان"، لا ينبغي أن يكون الرد التلقائي "خذ الهاتف"، بل "ماذا يمكن أن تفعل؟"، وهو سؤال بسيط يساعده على بناء الاستقلالية والقدرة على توليد الأفكار بدل انتظار الترفيه الجاهز.
غير أن هذا كله يبدأ بالآباء قبل الأبناء؛ فلا يمكننا أن نطلب من أطفالنا التركيز بينما نقضي نحن معظم الوقت نتنقل بين التطبيقات والإشعارات، لأن الأطفال يتعلمون من النماذج أكثر مما يتعلمون من التعليمات. لذلك فإن بناء ثقافة أسرية صحية يتطلب أوقاتًا خالية من الأجهزة أثناء الطعام، وخلال الحوار العائلي، وقبل النوم، وفي بعض الأنشطة الأسرية المشتركة، فالرسالة الأقوى التي يتلقاها الطفل ليست ما نقوله له، بل ما يراه منا.
إن الخطر الحقيقي ليس أن يشاهد الطفل مقطعًا قصيرًا مدته عشرون ثانية، بل أن يتعلم نمطًا سلوكيًا يقول له إنه كلما شعر بالملل غيّر النشاط، وكلما واجه صعوبة ترك المهمة، وكلما تأخرت المكافأة بحث عن مكافأة أسرع. أما التربية التي نحتاجها اليوم فتركّز على رسالة مختلفة تمامًا: ابدأ، واستمر، وتحمّل بعض الملل، وأكمل المهمة، ثم استمتع بالنتيجة. فالمستقبل لن يكون للأسرع في التمرير بين المقاطع، بل للأقدر على التركيز والتعلم وضبط الذات والالتزام بالمهمة حتى النهاية، والتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة رائعة في هذا الطريق، شرط أن نتعلم نحن وأبناؤنا كيف نستخدمها، لا أن تسيطر هي على طريقة عيشنا وتفكيرنا.