د. محمد خليل رضا :الانتباه إلى ضربات الرأس في كرة القدم والرياضات الأخرى لأنها خطيرة وقد تقود تدريجيًا إلى الخرف ومشاكل دماغية
الحلقة الثالثة والأخيرة (3/3)
بقلم: د. محمد خليل رضا
سبق أن ذكرت في الحلقتين السابقتين من هذه المقالة المختصرة جدًا تأثير كرة القدم، والملاكمة، والرياضات الاحتكاكية والقتالية على الرأس والدماغ، وما قد ينتج عن ذلك تدريجيًا من: الخرف، وضعف الذاكرة، واضطرابات التفكير، وعلامات أخرى.
وفي هذه الحلقة الثالثة والأخيرة، سأستكمل الحديث في هذا الإطار.
قبل التوسع في الموضوع
أطرح سؤالًا مبررًا ومنطقيًا من زاوية القانون الطبي، والطب الشرعي، وعلم الإصابات والأذى الجسدي:
هل تمتلك نوادي كرة القدم، ونوادي الرياضات القتالية، وسائر الأندية الرياضية في لبنان، والدول العربية والإسلامية، ودول العالم، ملفًا طبيًا شاملًا لكل لاعب؟
وهل يتضمن هذا الملف:
الفحوصات المخبرية؟
الصور الشعاعية مثل التصوير الطبقي المحوري (Scanner) أو التصوير بالرنين المغناطيسي (IRM) للرأس؟
فحوصات المخدرات والمنشطات؟
والأهم من ذلك: صورة صوتية للبطن والحوض (Échographie abdominale et pelvienne) للتحري عن أمّ الدم الأبهرية (Anévrisme aortique)؟
أمّ الدم الأبهرية
أمّ الدم هي عبارة عن تمدد أو انتفاخ يصيب جزءًا من الشريان، مع وجود خطر انفجاره.
إن وجود أمّ الدم من خلال الصور الصوتية للبطن أو صور السكانر للبطن والصدر، قد يؤدي إلى استبعاد بعض اللاعبين من المشاركة، حفاظًا على حياتهم.
فلو تعرض لاعب لضربة قوية على البطن أو الصدر أثناء المباراة، وانفجرت أمّ الدم الأبهرية وتوفي مباشرة على أرض الملعب، فإن العلاقة السببية تكون واضحة جدًا بين الوفاة والإهمال أو التقصير من إدارة النادي الرياضي، بسبب عدم إجراء الفحوصات الطبية المسبقة وعدم وجود ملف صحي شامل لكل لاعب.
وهنا تبرز المسؤولية الطبية (La responsabilité médicale)، وقد يحاسب القانون على هذا التقصير بحزم.
العودة إلى صلب الموضوع
في بريطانيا مثلًا، اقترح الباحث ستيوارت الحد من ضربات الرأس في مباريات كرة القدم، لأنها تساهم في تقليل إصابات الرأس خلال المباريات، وقد نجح ذلك في خفض عدد ضربات الرأس أثناء التدريبات الأسبوعية.
ويضيف ستيوارت:
إن لاعبي كرة القدم ضربوا الكرة برؤوسهم حوالي 70 ألف مرة خلال مسيرتهم الرياضية، إلا أن بضعة آلاف فقط من هذه الضربات حدثت خلال المباريات الرسمية.
وهنا يطرح سؤال منطقي وعلمي وطبي:
هل يمكن أن تؤدي متلازمة الملاكم المترنح، أو ما يعرف بـ الاعتلال الدماغي الرضي المزمن (Chronic Traumatic Encephalopathy)، وضربات كرة القدم المتكررة على الرأس، إلى الإصابة بمرض الصرع (Épilepsie)؟
الجواب:
لا تؤدي هذه الإصابات بالضرورة إلى مرض الصرع، ولكن يجب الاعتراف بأن الإصابات المتكررة للرأس، سواء من الكرة أو من لكمات الملاكمين أو غيرها من الرياضات الاحتكاكية، قد تزيد من خطر حدوث نوبات تشنجية.
ما هي العوامل التي تزيد من خطورة ضربات الرأس؟
هناك عوامل عديدة، أهمها:
التكرار المستمر لضرب الكرة بالرأس.
الفئات العمرية الصغيرة.
الخلل في الإجراءات الوقائية.
ظهور أعراض الارتجاج الدماغي.
طبيعة الضربة، سواء كانت:
بالكرة.
برأس لاعب آخر.
وقد ينتج عن ذلك بشكل تراكمي:
ضعف الذاكرة.
ضعف القدرات الإدراكية.
ارتفاع محتمل في خطر الإصابة بأمراض دماغية مزمنة.
الخرف.
التلف التراكمي للدماغ.
وهذه الأمور قد تظهر لدى الملاكمين، ولاعبي كرة القدم، ولاعبي الرياضات القتالية والاحتكاكية.قوة اصطدام كرة القدم بالرأس
إذا تطرقنا إلى وزن كرة القدم التي تصل إلى رأس اللاعب، فبحسب الدراسات العلمية لا يوجد وزن ثابت بالكيلوغرام يمكن من خلاله تحديد قوة ضربة الكرة بالرأس.
فالقوة تعتمد على عدة عوامل، أهمها:
سرعة انطلاق الكرة.
مساحة سطح الكرة.
زاوية الاصطدام.
قوة التسديد أو التمرير.
وللتذكير، فإن وزن كرة القدم يبلغ تقريبًا نصف كيلوغرام.
لكن عندما تُقذف الكرة بسرعة عالية جدًا قد تصل إلى حوالي 130 كيلومترًا في الساعة، فإن رأس اللاعب يتعرض لتسارع قوي يُقاس بوحدات الجاذبية (G-Force)، وقد يصل هذا التسارع إلى عشرات أضعاف قوة الجاذبية الأرضية.
وهذا يؤدي إلى ضغط واصطدام سريع جدًا، وتُقاس قوة هذا الاصطدام فيزيائيًا بقوى قد تصل إلى عشرات أو مئات النيوتن (Newton) لحظة ملامسة الكرة للرأس.
ما هي العوامل المؤثرة على قوة الاصطدام؟
هناك عوامل عديدة، أهمها:
1- سرعة الكرة
كلما زادت سرعة التسديد أو العرضية، زاد مقدار التسارع (Acceleration) وقوة الصدمة الواقعة على الدماغ.
2- ضغط نفخ الكرة
يجب الانتباه والحذر من الكرات المنفوخة بضغط عالٍ، لأنها قد تسبب قوة ارتداد واصطدام أكبر مقارنة بالكرات الأقل ضغطًا.
3- حالة الكرة
إن امتصاص الكرة للماء يزيد من كتلتها ووزنها، وبالتالي قد يضاعف قوة اصطدامها بالرأس.
وهنا أسأل شخصيًا:
هل يتأكد حكام كرة القدم، والفريق الفني والإداري، والمدربون، وحتى اللاعبون من حالة الكرة قبل المباراة؟
وهل يتم وزن كرة القدم قبل المباريات للتأكد من وزنها الطبيعي؟ وهل يتم التأكد من أنها غير مشبعة بالماء؟
الخرف والتغيرات الدماغية
بحسب الدراسات التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الإكثار من ضرب الكرة بالرأس خلال مباريات كرة القدم قد يؤدي إلى تغيرات عميقة ومقلقة داخل أنسجة الدماغ، مما يؤثر على:
التفكير.
الذاكرة.
القدرات العقلية.
وقد قارنت دراسة نشرتها مجلة Neurology المتخصصة في علم الأعصاب بين أكثر من 350 لاعب كرة قدم من الهواة، وبين حوالي 80 رياضيًا يمارسون رياضات غير احتكاكية.
وأُجريت للمتطوعين صور شعاعية للدماغ بهدف دراسة حركة جريان الماء داخل مناطق معينة من الدماغ.
وتبين أن اللاعبين الذين ضربوا الكرة بالرأس أكثر من 3000 مرة سنويًا تعرضوا لاضطرابات في طبقة رقيقة من المادة البيضاء (Substance blanche) القريبة من القشرة المخية.
كما أخضع الفريق البحثي من جامعات أمريكية، منها جامعات فوردهاَم وكولومبيا وألبرت أينشتاين، المتطوعين لاختبارات لقياس قدرات التفكير والذاكرة والوظائف الإدراكية.
ويشير العلماء والأطباء المختصون إلى أن ممارسة الرياضة لها فوائد كبيرة، ومنها الحد من تدهور بعض الوظائف الدماغية، إلا أن تكرار ارتطام الرأس أثناء بعض الرياضات الاحتكاكية، مثل كرة القدم، قد يقلل من هذه الفوائد.
ملاحظة للموضوعية العلمية
من الناحية العلمية، أشارت فرق البحث إلى أن هذه النتائج لم تثبت وجود علاقة سببية مباشرة (Lien de causalité) بين ضرب الكرة بالرأس وبين تدهور الوظائف العقلية.
لكنها سلطت الضوء على مناطق معينة في الدماغ قد تكون معرضة للخطر بسبب هذه الممارسة المتكررة.
وفي المقابل، تشير دراسات أخرى إلى أن تشريح جثث بعض لاعبي كرة القدم الذين توفوا أظهر وجود أضرار داخل الدماغ، منها التهابات مزمنة مرتبطة بالاصطدامات المتكررة للرأس.
كما توثق بعض الدراسات أن ظهور الخرف في الأعمار المتقدمة قد يكون أكثر شيوعًا لدى بعض لاعبي كرة القدم مقارنة بغيرهم، بسبب تكرار إصابات الرأس خلال مسيرتهم الرياضية.إصابات العمود الفقري الرقبي والوقاية
يجب ألا يغيب عن بالنا، وبحسب الاطلاع على ملفات طب الرياضة (Médecine du sport) والدراسات العالمية في هذا المجال، أن هناك أضرارًا مباشرة قد تصيب العمود الفقري الرقبي:
(La colonne vertébrale cervicale)
عند لاعبي كرة القدم ولاعبي الرياضات الأخرى.
لذلك يجب على لاعبي كرة القدم القيام بتمارين وحركات تهدف إلى تقوية عضلات الرقبة، وذلك للمساعدة في تفادي هذه المشاكل وغيرها.
وأطرح هنا سؤالًا:
هل يمكن السماح لجميع لاعبي كرة القدم، بما في ذلك حراس المرمى، باستخدام واقٍ أو طوق للرقبة، بهدف تقليل خطر حدوث الضربات والاحتكاكات والإصابات في منطقة الرقبة؟
معلومات تشريحية عن الرأس والعضلات
أختم بالإشارة من الناحية التشريحية (Anatomique) إلى أن:
رأس الإنسان البالغ يتكون من 22 عظمة.
ويصل العدد إلى 29 عظمة إذا احتُسبت عظيمات السمع والعظم اللامي (Os hyoïde).
والعظم اللامي له أهمية كبيرة جدًا في الطب الشرعي، وخاصة في حالات الشنق والعنف على الرقبة.
أما عضلات الوجه فتبلغ حوالي 47 عضلة.
وفي كل عين توجد تسع عضلات، وهناك من يذكر عشر عضلات، وهي عضلات دقيقة ومعقدة تؤدي وظائف حساسة ومهمة في حركة العين.
أما عضلات جسم الإنسان البالغ فتتراوح بين:
600 و650 عضلة،
وقد يصل العدد إلى حوالي 850 عضلة إذا احتُسبت بعض الأجزاء العضلية الصغيرة بشكل منفصل.
وتُقسم العضلات في جسم الإنسان إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1- العضلات الهيكلية
(Les muscles squelettiques)
وهي عضلات إرادية تتحكم بالحركة.
2- عضلة القلب
(Myocarde)
وهي عضلة لا إرادية مسؤولة عن عمل القلب.
3- العضلات الملساء
(Les muscles lisses)
وهي عضلات لا إرادية موجودة في أعضاء عديدة، ومنها الجهاز الهضمي مثل الأمعاء.
الخاتمة
هذا، وباختصار شديد، ما حاولت أن أكتبه عن هذا الموضوع الحساس والدقيق والمقلق في كرة القدم والرياضات الأخرى.
وأتساءل شخصيًا:
إن العديد من لاعبي كرة القدم المحترفين يعتزلون اللعب في سن مبكرة، فهل هذا الأمر صحي وطبيعي بالنسبة لهم؟
أم أنهم شعروا بظهور بعض الأعراض المرضية، وخاصة الدماغية منها؟
أم أنهم يتجاهلون بعض الإشارات أو يكابرون؟
من يعلم؟ الله أعلم.
لكن تبقى الفحوصات والصور الشعاعية للرأس، مثل التصوير الطبقي (Scanner) والتصوير بالرنين المغناطيسي (IRM)، وسائل مهمة تساعد الأطباء على تقييم حالة الدماغ، فهي تُظهر ما قد لا يراه الإنسان بالعين المجردة، وتقدم تقارير دقيقة بلغات العلم المختلفة.
الدكتور محمد خليل رضا
بيروت – لبنان
خريج جامعات ومستشفيات فرنسا:
باريس، ليون، وليل
The post د. محمد خليل رضا :الانتباه إلى ضربات الرأس في كرة القدم والرياضات الأخرى لأنها خطيرة وقد تقود تدريجيًا إلى الخرف ومشاكل دماغية appeared first on Beirut News Center.




