كثير من المسؤولين والموظفين يغادرون مواقعهم فجأة؛ بتغيير حكومي، أو نقل، أو تقاعد، أو انتهاء مهمة. وقد لا تتاح لهم لحظة أخيرة يرتبون فيها ما عرفوه أو ينقلون ما راكموه من خبرة إلى من يأتي بعدهم. لذلك لا يجوز أن تبدأ عملية حفظ المعرفة عند المغادرة، بل يجب أن تكون جزءاً من العمل اليومي للمؤسسة؛ تُحفظ المعلومات والأفكار ومسارات القرارات والدروس أولاً بأول، حتى لا تصبح ذاكرة الدولة رهينة بقاء الأشخاص في مواقعهم.
فالمسؤول عندما يغادر لا يأخذ متعلقاته الشخصية فقط. قد يغادر ومعه، من حيث لا ندري، سنوات من المعرفة: لماذا اتُخذ قرار معين؟ ما البدائل التي طُرحت؟ لماذا تعثر مشروع؟ كيف أُديرت أزمة؟ ما الذي نجح وما الذي لم ينجح؟ وما الأفكار التي كانت قيد الدراسة ولم تجد طريقها إلى التنفيذ؟
وهنا يبرز السؤال: من يكتب ذاكرة الدولة؟
الدولة، مثل الإنسان، تحتاج إلى ذاكرة. لكنها لا تستطيع أن تعتمد على ذاكرة أشخاص يتغيرون باستمرار. فالأشخاص يغادرون، أما المعرفة التي اكتسبوها أثناء أداء مسؤولياتهم فيجب أن تبقى ملكاً للمؤسسة والدولة.
وهناك فرق كبير بين الأرشيف وذاكرة الدولة.
الأرشيف يحفظ الوثيقة، أما الذاكرة فتحفظ قصة القرار. الوثيقة تخبرنا ماذا تقرر، لكنها لا تخبرنا دائماً لماذا اتُخذ القرار، وما الخيارات التي سبقته، وأين كانت نقاط الخلاف، وما العقبات التي واجهته، وما الدرس الذي خرجت به المؤسسة.
وهذه المعرفة غير المكتوبة هي التي نفقدها غالباً.
كم مشروعاً توقف ثم عاد بعد سنوات باسم جديد وتمويل جديد، من دون أن نعرف لماذا تعثر في المرة الأولى؟ وكم دراسة أُعيد إعدادها لأن أحداً لم يعرف أن دراسة مشابهة سبقتها؟ وكم لجنة بدأت من النقطة التي انتهت عندها لجنة سابقة؟ وكم مسؤولاً أمضى الأشهر الأولى من عمله يحاول اكتشاف ملف كان معروفاً بالتفصيل لدى من سبقه؟
حين تفقد المؤسسة ذاكرتها، لا تنسى فقط… بل تدفع ثمن ما نسيته.
ولهذا فإن توثيق المعرفة يجب ألا ينتظر نهاية الخدمة. المطلوب أن تتحول المعلومات والخبرات والأفكار إلى رصيد مؤسسي يتراكم باستمرار. فكل مشروع ينبغي أن يترك وراءه ما تعلمناه منه، وكل أزمة يجب أن تنتج إلى جانب قراراتها سجلاً لدروسها، وكل ملف رئيسي يجب أن يحمل تاريخه معه، لا أن يبدأ تاريخه مع كل مسؤول جديد.
ويمكن أن يكون لكل مسؤول وموظف يعمل في الملفات الأساسية سجل معرفي مؤسسي يتم تحديثه خلال فترة العمل، يوثق تطور الملفات، والقرارات المهمة ومبرراتها، والأفكار المقترحة، والمشروعات التي لم تكتمل، والعقبات والدروس المستفادة. وعند الانتقال أو المغادرة يصبح هذا السجل جزءاً من عملية تسليم المسؤولية.
فليس من المقبول أن يكون تسليم موقع قيادي مجرد تسليم مكتب وملفات ومعاملات معلقة. ينبغي أن يكون قبل ذلك تسليم معرفة.
وتزداد أهمية هذا الأمر في الملفات الوطنية التي لا يتوقف عمرها عند عمر حكومة أو وزير: المياه والطاقة والتعليم والصحة والاستثمار والنقل والسياسة الخارجية والتحول الرقمي. هذه ليست ملفات أشخاص، بل ملفات دولة. وإذا تغيرت ذاكرتها مع تغير المسؤولين، فإننا لا نراكم الخبرة، بل نراكم البدايات.
وقد يكون الموظف الذي أمضى ثلاثين عاماً في مؤسسة ما مستودعاً لمعرفة لا توجد كاملة في أي تقرير. يعرف تاريخ القرارات، وأسباب التحولات، وما جُرّب ولم ينجح. وعندما يتقاعد، قد نكرمه بدرع ونودعه، لكن السؤال الأهم يجب أن يسبق حفل الوداع: هل أخذت المؤسسة منه ما تحتاج إليه من معرفة قبل أن يغادر؟
فالخبرة الوطنية ثروة، ولا يجوز أن تتقاعد بتقاعد أصحابها.
واليوم يمنحنا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي فرصة غير مسبوقة لبناء ذاكرة مؤسسية حقيقية. لم يعد المطلوب تكديس الملفات في الخزائن أو حتى تحويلها إلى ملفات إلكترونية فقط، بل بناء قواعد معرفية تستطيع ربط القرارات والدراسات والمشروعات والدروس والخبرات، بحيث يستطيع المسؤول أن يعرف تاريخ أي ملف قبل أن يتخذ قراراً جديداً بشأنه.
فالرقمنة التي تحول الورق إلى شاشة ليست كافية. المطلوب الانتقال من حفظ الوثائق إلى حفظ المعرفة.
وقد يكون من المفيد التفكير في إنشاء «بنك للخبرة الوطنية» يحتفظ بخبرات المسؤولين والموظفين والخبراء، ويوثق التجارب والدروس والأفكار التي راكموها، لتظل متاحة للأجيال التالية ولصانع القرار، بدلاً من أن تضيع بخروج أصحابها من مواقعهم.
لكن ذاكرة الدولة لا تكتمل إذا سجلنا النجاحات وحدها. يجب أن نوثق أيضاً ما لم ينجح ولماذا. فالمؤسسة التي تخفي أخطاءها تحرم نفسها من فرصة التعلم منها.
الخطأ الذي نوثقه يصبح خبرة، والخطأ الذي ننساه يصبح مرشحاً للتكرار.
إن بناء ذاكرة الدولة لا يحتاج إلى انتظار مغادرة مسؤول أو تقاعد موظف. يجب أن يبدأ منذ اليوم الأول للعمل، وأن يصبح التوثيق ونقل المعرفة جزءاً من ثقافة المؤسسة ومسؤولية من يعمل فيها.
فالحكومات تتغير، والمسؤولون يتبدلون، والموظفون يتقاعدون، لكن الدولة تستمر.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال عند مغادرة المسؤول فقط: من سيأتي بعده؟
بل الأهم: ماذا بقي للمؤسسة مما كان يعرفه؟
فالدولة التي تحفظ الأوراق تمتلك أرشيفاً، أما الدولة التي تحفظ الخبرة فتمتلك ذاكرة.
والدولة التي تحفظ ذاكرتها لا تبدأ من جديد مع كل مسؤول جديد… بل تبدأ من حيث انتهى من سبقه، ثم تمضي أبعد