د. حازم قشوع
ما زال أكثر من ثلاثة أرباع البتراء غائرًا تحت الرمال، وما زالت كنوزها وأسرارها مدفونة تحت رمالها، كما غابت معها أسرار الهندسة المعمارية الإعجازية التي كانت تستخدمها المدينة في ذلك الوقت، وخاصة مجاري حركة المياه التي كانت تستنبط المياه الجوفية، وتعمل على جريانها، ومن ثم تخزينها ضمن أنظمة خاصة لفلترة المياه.
لقد كانت البتراء إحدى المدن الرئيسية على طريق البخور، الأمر الذي جعلها مركزًا مهمًا للقوافل والتجارة والحركة بين جنوب الجزيرة العربية وبلاد الشام وما وراءها. ومن هنا لم تكن البتراء مجرد محطة تجارية، وإنما تحولت إلى مدينة نابضة بالحياة، تستقبل القوافل وتوفر لها ما تحتاجه من تجارة وضيافة وراحة، وهو ما منحها مكانة استثنائية في ذلك العصر.
وقد كان ينظر للبتراء باعتبارها «مدينة فيغاس القديمة» حيث كانت تعتبر مدينة المرح والفرح والسرور، في حين أن فيغاس اليوم صُممت بطرق ملتوية ومبتكرة، وأضيفت إلى أجوائها عناصر الترفيه والفن والفنادق والملاهي التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم وفق تصاميم مستوحاه من حيث كانت البتراء حيث كانت البتراء تستقبل القادمين إليها من مختلف الجهات، وتوفر لزوارها أجواء الحياة والترف والتجارة والفرح، حتى أصبح الإقبال عليها كبيرًا قياسًا بعدد سكانها، الذين يُقدّر أنهم بلغوا نحو ثلاثين ألف نسمة، وهو رقم كبير جدًا بالنسبة إلى مدينة في ذلك العصر.
وهذا ما جعل البتراء تتحول من البداوة إلى المدنية، ومن مدينة قاحلة إلى واحة خضراء تعتبر واحدة من أغنى المدن في العالم القديم، فشيد أهلها السدود العملاقة، وأقاموا أنظمة متقدمة لجمع المياه وتخزينها، حتى تحولت البتراء إلى واحة خضراء تستقبل القوافل وتكون مركزًا تجاريًا وسياحيًا وحضاريًا.
ولعل هذا الثراء الحضاري والهندسي ارتبط بما تركه الأنباط من أسرار معرفية ما زالت تثير الدهشة حتى اليوم، وقد قيل إن جزءًا من ذلك يعود إلى لوح الزمرد وأسراره الغائرة، وإلى ما ارتبط بالمعرفة القديمة من علوم وأسرار، كما شُيّد في منطقة البيضاء ما عُرف بصرح الرؤيا، بما يشير إلى أن المحتوى المعماري والحضاري للبتراء وصل إلى مناطق واسعة الى الجنوب وحتى الطفيلة التى لم تكتشف بعد .
البتراء التي غارت بعد زلازل ضربت المدينة، وطاعون اجتاحها، ورمال غطت إرثها وأثرها، حتى غابت عن وجه الأرض قرابة ألف عام، ظلت تحرسها قبائل البدول، وتحافظ على ما ارتبط بها من أسرار وحكايات. وقد كان أهل المنطقة مؤمنين بأن البتراء تحوي كنوزًا عظيمة، ومن بينها كنوز فرعون وبعض علوم موسى، ولذلك شكلوا للبتراء حراسة استثنائية تحافظ على هذه الكنوز من الغرباء.
حتى جاء المستكشف السويسري يوهان لودفيغ بركهارت، الذي جرى تجهيزه لمهمة الدخول إلى البتراء، فعاد إلى بلاد الشام وأصبح يعرف باسم الشيخ إبراهيم بن عبدالله، بعد أن تعلم اللغة العربية وأصبح يعلم طباع البدو وعاداتهم. واستطاع الشيخ إبراهيم أن يقدم على دخول البتراء ومشاهدة الخزنة، ثم عاد إلى بلاد الشام، وأخذ يكتب عن رحلته وما شاهده، فأحدث ذلك ضجة كبيرة في أوروبا؛ لأن ما وصفه اعتُبر اكتشافًا إعجازيًا، وفتح أبوابًا على كنوز معرفية وحضارية كانت بالنسبة إلى الأوروبيين مجرد طلاسم وحكايات غائرة
في المجهول.
وهكذا بقيت البتراء، مدينة طريق البخور، ومدينة التجارة، ومدينة المرح والفرح والسرور، وفيغاس القديمة، تختزن
في صخورها ورمالها قصة حضارة استطاعت أن تجعل من الصحراء واحة، ومن الماء مصدر حياة، ومن القوافل مصدر ثروة، ومن الحجر ذاكرة لا تزال حاضرة حتى اليوم.
لكن السؤال اليوم ليس فقط: ماذا بقي من البتراء؟ بل: ماذا يمكن أن نصنع من البتراء؟
وهنا يمكن استحضار مخطط شمولي يعيد تقديم البتراء بحلة جديدة، لا تمس أصالتها ولا تقترب من قدسية إرثها، وإنما تضيف إليها بعدًا إنسانيًا وسياحيًا واقتصاديًا معاصرًا، على غرار التجربة التي جعلت من الصحراء فى فيغاس مدينة عالمية للبهجة والاستقطاب السياحي. فالغاية ليست تحويل البتراء إلى فيغاس، وإنما استحضار روح البهجة التي كانت فيها، وإعادة توصيف أثر الإنسان في المكان، بحيث يصبح المكان جملة حضارية تجمع الأصالة والحداثة.
ومن هنا يمكن لسلطة إقليم البتراء، بالتعاون مع الجهات الوطنية المعنية، أن تضع برنامجًا عمليًا لبناء جسر توأمة حضارية بين البتراء وفيغاس، يقوم على تبادل الخبرات في إدارة الوجهات السياحية، وصناعة الفعاليات، وتنظيم المهرجانات، وتطوير تجربة الزائر، وإعادة تقديم المدينة بوصفها تجربة إنسانية متكاملة لا مجرد موقع أثري.
ويمكن أن تتحول هذه التوأمة إلى نقطة وصل بين حضارتين مختلفتين في الشكل ومتقاربتين في الوظيفة السياحية؛ بتراء تستحضر التاريخ والحضارة والماء والقافلة، وفيغاس تستحضر الترفيه والضوء والحدث والمدينة الحديثة. وبينهما يمكن للأردن أن يقدم نموذجًا جديدًا يقول إن الأصالة ليست نقيض الحداثة، وإن الحداثة يمكن أن تكون جسرًا لحماية التراث وتسويقه عالميًا.
وهنا تأتي أهمية النافذة التي فتحها الملك عبدالله الثاني باتجاه الدول الكبرى، من خلال حركة الملك الخارجي وتسويق الأردن كدولة استقرار وفرص واستثمار وإرث حضاري. فإذا ما جرى ربط هذه النافذة السياسية والاقتصادية بمشروع سياحي عالمي للبتراء، فإن الاستثمار لن يكون في الحجر وحده، بل في الصورة الأردنية كاملة: إرثًا وحضارةً وأمنًا واستقرارًا وفرصًا.
ومن هنا يمكن أن يصبح برنامج البتراء الجديد جزءًا من الرؤية الأوسع التي طُرحت خلال الزيارة الملكية إلى معان، بحيث تتحول معان والبتراء والجنوب إلى منصة اقتصادية وسياحية وثقافية متكاملة، تستفيد من الموقع، ومن الإرث النبطي الذى افتتح رئيس الديوان الملكي بوابته ، ومن طريق البخور، ومن السياحة العالمية، ومن الاستثمارات الجديدة، لتقديم الجنوب الأردني بوصفه بوابةً تجمع الماضي بالمستقبل.
فالبتراء لا تحتاج إلى أن تصبح فيغاس؛ فيغاس هي التي يمكن أن تتعلم من البتراء كيف يصنع المكان ذاكرة، وكيف يتحول الأثر إلى قيمة، وكيف تصبح الحضارة مصدرًا للفرح والاقتصاد معًا..وهكذا يمكن أن نعيد للبتراء شيئًا من روحها القديمة مدينة القوافل، والضيافة، والمرح، والفرح، والسرور؛ ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين إنها ليست دعوة لتغيير البتراء، وإنما دعوة إلى إعادة اكتشافها؛ ليس فقط تحت الرمال، وإنما في المستقبل أيضًا تحمل بالدلالة والرمزية معاني فيغاس الشرق .