في لقاء حواري حضرته بالامس، طُرح سؤال جوهري، ماذا يحتاج منا الأردن اليوم؟ والإجابة ليست في المهرجانات والاحتفالات، بل في مراجعة صريحة لواقعنا. لقد صمد الأردن وسط إقليم يموج بالاضطرابات، ليس بضربة حظ، بل نتيجة إدارة ذكية لتوازنات داخلية وخارجية معقدة. لكن الخطر يكمن في تحويل هذا الصمود إلى قصة نجاح أبدية تمنحنا وهماً بالاستقرار المطلق، وتدفعنا لتأجيل مواجهة الاختلالات البنيوية.
جزء من أزمتنا الحقيقية اليوم على سبيل المثال تتبدى في غياب النخب الحقيقية وتراجع دورها. فبينما اختار جزء منها (السلامة والصمت)، تحول جزء آخر إلى صدى للسلطة أو مساير لمزاج الشارع، تاركين الفراغ لخطاب شعبوي انفعالي يقدم إجابات تبسيطية لقضايا وجودية معقدة. وفي ظل هذا الفراغ، يبدو المواطن الأردني أكثر واقعية في ترتيب أولوياته، فلقمة العيش والعيش بكرامة ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر الاستقرار والأساس الذي يُبنى عليه أي موقف سياسي متماسك.
الإقليم من حولنا ليس ساحة للعواطف، بل هو ميدان لمشاريع تتصارع بقسوة، والتعامل مع هذا الواقع يتطلب وعياً يومياً ونقداً صريحاً، لا شعارات تُرفع لساعات ثم تخبو. إن حماية الدولة لا تكون بالصور مع العلم، بل بموقف يُترجم في العمل، وفي القدرة على إنتاج الأفكار، وفي تحمل المسؤولية الوطنية بصدق ووعي.
باختصار، الأردن لا يحتاج إلى مناسبات إضافية او مسيرات هزيلة تنطلق من امام ساحة المسجد الحسيني في وسط عمان لتأيد موقف هنا او هناك، بقدر ما يحتاج إلى وقفة صادقة مع الذات. يحتاج أن نغادر مساحة التمثيل، وندخل إلى مساحة الفعل، أن يصبح العلم حاضراً في السلوك اليومي، في العمل، وفي المسؤولية، وفي حب الوطن لا مجرد رمز نرفعه في يوم وننساه في بقية العام. نحن بحاجة إلى ضجيج أقل وصدق أكثر.



