بيروت والخط الأخضر.. هل محت عقود السلم خرائط الانقسام الذهني؟
في شوارع بيروت، لا يحتاج المرء إلى لافتات إرشادية ليدرك وجود 'الخط الأخضر' التاريخي، إذ يكفي تتبع ملامح الأحياء وتوزيعها لبروز أثره من جديد. ورغم الإعلان الرسمي عن انتهاء هذا الخط الذي شطر العاصمة إلى شطرين شرقي وغربي مع توقف المدافع عام 1990، إلا أن المدينة لم تخرج تماماً من عباءة انقسامها القديم. لقد اختفى الخط كجبهة عسكرية مشتعلة، لكنه استحال أثراً عمرانياً ونفسياً واجتماعياً يظهر بوضوح كلما حاولت بيروت إقناع نفسها بالوحدة. تظل المدينة في الذاكرة والاستعمال اليومي للمكان مقسمة، حيث تحبس السجلات التاريخية أنفاس العاصمة التي عاشت 15 عاماً من التمزق الجغرافي والسكاني. يبرز 'المتحف الوطني' كواحد من أكثر الشواهد وضوحاً على استمرار هذه الذاكرة المحفورة في الحجر، كونه ربض في قلب المواجهة مباشرة. بدأ الخط الأخضر في سنوات الحرب كمنطقة فاصلة، ثم تحول بمرور الوقت إلى 'لامكان' يضم مبانٍ مهجورة وشوارع مقطوعة، حيث كان المرور فيه فعل نجاة وليس مجرد تنقل. تؤكد دراسات معاصرة أن آثار التماس لم تتبخر مع ورش إعادة الإعمار الضخمة التي شهدتها البلاد عقب الحرب. فالفصل الذي رسخته سنوات القتال أنتج خرائط ذهنية وحساسيات اجتماعية، ولدت أنماطاً من التوجس المتبادل بقيت حية حتى بعد إزالة المتاريس والبراميل الرملية. المفارقة تكمن في أن الخط الأخضر صار بعد الحرب أقل وضوحاً للعين المجردة، لكنه بات أكثر حضوراً وتجذراً في الأذهان. وحين غابت الحواجز العسكرية، تسلل التقسيم إلى مسميات الأحياء وصورة 'المنطقة'، والإحساس الضمني بأن بعض الفضاءات تنتمي لهوية طائفية مغايرة. تشير أبحاث حديثة حول البيئة المبنية في بيروت إلى أن التنقل اليومي بين المباني أسهم في تعليم السكان 'نصوصاً من التطييف'. هذا يعني أن الحرب لم تكتفِ بتقسيم السكان ديموغرافياً، بل أعادت برمجة علاقتهم بالمكان، مما جعل الخوف من 'الفضاء المعادي' شعوراً كامناً لا يزول. خضعت بيروت لعمليات إعادة إعمار واسعة، خاصة في وسطها التجاري الذي تحول أثناء الحرب إلى 'أرض حرام'. ومع ذلك، يرى مراقبون أن الترميم الاقتصادي والعقاري لم ينجح في إنتاج ذاكرة مشتركة أو فضاء مديني متصالح مع ماضيه الأليم. ما تُرك ظاهراً في جدران المتحف الوطني هو درس للمستقبل، في بلد غالباً ما تُغطى فيه معالم الحرب أو تُهمل. تذهب الأدبيات الناقدة إلى أن أجزاء واسعة من الذاكرة اللبناني...المصدر: صحيفة القدس | Source: صحيفة القدس
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة صحيفة القدس. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by صحيفة القدس. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




