بين “تفسيرات” المالية ونصوص المراسيم.. هل تبتلع ترفيعات الموظفين ثلث الزيادة؟
لم تكد تجف أحبار المراسيم الرئاسية التي حملت بشائر الزيادة وتحسين الواقع المعيشي، حتى بدأت التفسيرات البيروقراطية تطفو على السطح، مثيرة موجة من التساؤلات والجدل حول عدالة التنفيذ وقانونيته.
ففي لقاء جمعه مؤخراً مع موظفي وزارة المالية، كشف الوزير محمد يسر برنية عن نيته حول اتباع آلية تطبيق الزيادة بنسبة 50%، مفاجئا المستمعين أن الاستفادة الكاملة منها ستقتصر على الموظفين المسقفين برواتبهم، بينما سيتم حسم نسبة الترفيعة المستحقة البالغة 9% من أصل الزيادة لبقية الموظفين، لتستقر الزيادة الفعلية عند حدود 41% فقط.
هذا التوجه أحدث إرباكاً شديداً في الأوساط الوظيفية، حيث اعتبره الكثيرون إجحافاً بحق الكفاءات المستمرة في العطاء والترقي الوظيفي، فبدلاً من أن تكون الترفيعة الدورية مكافأة على سنوات الخدمة، تحولت في منطق وزير المالية إلى عبء يُقتطع من أصل الزيادة العامة.

ويرى مراقبون وقانونيون أن هذا الإجراء قد ينطوي على مخالفة صريحة لنص المرسوم التشريعي الصادر عن رئيس الجمهورية، والذي أقر الزيادة ككتلة مستقلة تضاف إلى الراتب المقطوع، دون أن يربطها أو يدمجها بالاستحقاقات الدورية التي كفلها قانون العاملين الأساسي.
من جهة أخرى، لا يزال ملف المتقاعدين يراوح مكانه في منطقة رمادية تفتقر للوضوح، فمع إقرار حد أدنى جديد للرواتب والأجور يراعي معدلات الفقر، تصاعدت تساؤلات المتقاعدين الذين لم يشملهم مرسوم الزيادة الأخير حول مشروعية بقاء معاشاتهم دون هذا الحد.
فالمنطق القانوني والاقتصادي يفرض أن الحد الأدنى هو عتبة لا يمكن النزول تحتها لأي مواطن يتقاضى راتباً يفترض في القطاع العام أو الخاص، إلا في حال صدر مرسوم بزيادة رواتب المتقاعدين قبل أن يدخل المرسوم الحالي حيز التنفيذ وبما يضمن تجاوز رواتبهم هذا السقف، فبقاء الرواتب التقاعدية دون هذا السقف لا يعتبر خرقاً للمرسوم فحسب، بل هو ضرب من عدم العدالة الاجتماعية التي نادى بها الإصلاح المالي الأخير.
كل ذلك يضع الكرة اليوم في ملعب الجهات التشريعية والرقابية لحماية روح المراسيم من مقصات التفسير المالي، وضمان أن تصل الزيادة لمستحقيها كاملة غير منقوصة، فالمواطن الذي انتظر طويلاً لترميم قدرته الشرائية، لا يحتمل أن تتحول حقوقه الدورية إلى أدوات لخفض فاتورة الإنفاق العام على حساب لقمة عيشه.





