بين فيسك وهرمز: قراءة في "ذرائع" القوة التي لا تموت
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في زمنٍ تزدحم فيه الشاشات بصور الناقلات المحتجزة وأخبار المسيرات التي تجوب سماء مضيق هرمز، لا أجد مفراً من العودة إلى صفحات كتاب روبرت فيسك الضخم "الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة". ليس من قبيل الترف الفكري، بل لأن هذا الرجل الذي قضى عقوداً في قلب نيران الشرق الأوسط، يبدو وكأنه كتب فصول كتابه ليصف ما نعيشه اليوم بدقة مخيفة، وكأن الجغرافيا في منطقتنا قدرٌ محتوم، والذرائع التي تُساق لغزوها أو حصارها هي مجرد أصداء باهتة لتاريخ طويل من الهيمنة.
حين نراقب التوتر الحالي في مضيق هرمز، ندرك أننا أمام مشهد "فيسكي" بامتياز؛ فالصراع هناك ليس مجرد خلاف على ممرات مائية أو تأمين تدفق النفط كما تروج وسائل الإعلام العالمية، بل هو في جوهره صراع إرادات دولية تختبئ خلف "أقنعة حضارية". لقد وثق فيسك ببراعة كيف تُحول القوى الكبرى الممرات المائية إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية، وما حادثة إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية في الثمانينيات التي أفرد لها مساحة واسعة في كتابه، إلا جرحٌ غائر لا يزال ينزف في ذاكرة المضيق، ويُغذي حالة "فقدان الثقة" التي تجعل من أي احتكاك بسيط اليوم فتيلًا لانفجار إقليمي كبير.
المفارقة المؤلمة التي نلمسها اليوم هي "إعادة تدوير الذرائع"؛ فما كان يسميه فيسك "نشر الديمقراطية" أو "تحرير الشعوب"، يتجلى الآن في قوالب جديدة مثل "حماية حرية الملاحة" أو "الردع الاستراتيجي". ومن هنا، تبرز معضلة "ازدواجية المعايير" التي كانت تمثل لبّ نقد فيسك للسياسة الغربية؛ فذات المنظومة التي تتحدث عن القانون الدولي في هرمز، نراها تصمت صمتاً مطبقاً تجاه مآسٍ أخرى في منطقتنا، وعلى رأسها الجرح الفلسطيني الذي اعتبره فيسك الاختبار الحقيقي والوحيد لضمير العالم وحضارته المزعومة.
إن المعركة اليوم، كما كان يؤمن فيسك، ليست في فوهات المدافع فحسب، بل هي في "الرواية" التي تُصدّر للعالم. نحن نعيش في عصر "الصحافة المعلبة" التي حذر منها، حيث يتم هندسة الوعي العالمي لقبول منطق القوة كضرورة حضارية. لذا، فإن استعادة فكر روبرت فيسك اليوم هي ضرورة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، لنفهم أن ما يجري في هرمز ليس حدثاً معزولاً، بل هو فصلٌ جديد في كتاب "الحرب الكبرى" الذي يبدو أن فصوله لن تنتهي طالما ظل العالم يقرأ "الذرائع" ويتجاهل الحقائق التاريخية الراسخة.
رحل فيسك، لكن منطقه يظل حياً في كل ناقلة تمر عبر المضيق، وفي كل صرخة إنسان تضيع في زحام المصالح الدولية، ليذكرنا بأن الحضارة الحقيقية ليست في السيطرة على الممرات، بل في إقامة العدل الذي يغنينا عن الحروب.





