بين “الولاء” و”الكفاءة”.. كيف تخرج الحكومة من فخ الحلول النظرية؟
في مشهد اقتصادي شديد التعقيد، تقف الحكومة السورية أمام لحظة حاسمة لا تحتمل التردد أو الحلول النظرية.
لم يعد النقاش يدور حول ما يجب فعله في الظروف المثالية، بل حول ما يمكن فعله في ظل واقع مليء بالتحدّيات والتناقضات، فالأولوية اليوم ليست للكمال، بل للواقعية بقرارات سريعة ومرنة تعيد الثقة المفقودة، وتفتح الباب تدريجياً أمام تعافٍ اقتصادي ممكن.
هذا ما أكده الخبير والمستشار الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين موضحاً في حديث لـ”الوطن” أن المشكلة في سوريا اليوم ليست نقصاً في القرارات، بل في طبيعة المعادلات التي تحكمها.

فكل خيار متاحٍ يحمل في طيّاته مكاسب قصيرة الأمد، لكنه ينطوي أيضاً على مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، ما يجعل عملية اتخاذ القرار أقرب إلى إدارة توازنات دقيقة لا إلى حسم خيارات واضحة.
بين الولاء والكفاءة
ويضيف محي الدين: إن الحكومة عالقة بين منطقين متعارضين، منطق الولاءات الذي يوفّر استقراراً سريعاً ويحافظ على التماسك، لكنه يضعف الثقة العامة ويحدّ من كفاءة الأداء، ومنطق الكفاءة والحوكمة الذي يعزّز التطوير والمشاركة، لكنه يثير مخاوف فقدان السيطرة.
ويؤكد أن الحل لا يكمن في الإقصاء، بل في صياغة توازن مدروس يضمن الاستقرار من دون التضحية بالكفاءة.
التنافسية والحمائية
ويتابع: إن الجدل بين التنافسية الاقتصادية والحمائية هو جدل مضلّل إذا طرح كخيار ثنائي.
فالتنافسية ضرورية لجذب الاستثمار وتحسين الجودة، بينما توفّر الحمائية حماية مؤقتة للصناعات المحلية. المشكلة الحقيقية، برأيه، تكمن في توقيت الانتقال بينهما وسرعته، وليس في تبنّي أحدهما دون الآخر.
ملف الملكيات
وهنا يشير الخبير الاقتصادي إلى أن ملف الملكيات يمثّل أحد أعقد التحديات، إذ يتداخل فيه القانوني مع الاجتماعي والمالي.
فإعادة الحقوق ضرورة، لكن تطبيقها الشامل من دون تدرّج قد يؤدي إلى صدمات كبيرة ونزاعات طويلة، ما يستدعي حلولاً واقعية وتدريجية.
ماذا يجب أن تفعل الحكومة؟
يطرح محي الدين مجموعة من الخطوات العملية، مؤكداً أنها تشكّل مدخلاً ضرورياً لإعادة تحريك الاقتصاد:
1- توسيع الاهتمام ليشمل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها الأسرع في خلق فرص العمل وتحريك السوق.
2- تحويل سوريا إلى بيئة استثمارية جاذبة بشكل استثنائي من خلال تخفيض الضرائب والرسوم، تبسيط الإجراءات، وتقديم حوافز تمويلية حقيقية، على أن يتم لاحقاً تعزيز التنظيم والرقابة تدريجياً.
3- إطلاق حزم مشاريع في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، مدعومة بمزايا تنافسية واضحة، لا الاكتفاء بفتح المجال نظرياً.
4- اعتماد مبدأ التوازن بين الولاء والكفاءة، لأن أي انحياز حادٍ سيؤدي إلى فقدان الثقة لدى أحد الأطراف الأساسية في المجتمع.
5- تخفيف الأعباء عن قطاع الأعمال فوراً، عبر خفض تكاليف المواد الأولية والطاقة، وتقليل التأمينات والقيود الإجرائية، لأن الضغط في هذه المرحلة قد يضعف الإيرادات بدلاً من تعزيزها.
ويختم محي الدين بالتأكيد على أن إدارة الاقتصاد السوري اليوم لا يمكن أن تقوم على المثاليات، بل على القدرة على تحقيق التوازن واتخاذ قرارات واقعية قابلة للتنفيذ. فاستعادة الثقة هي الخطوة الأولى، وهي الشرط الأساسي لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.





