بين الموروث والدواء : " العطارة " في إربد: طب بديل أم ذاكرة شعبية تتجدد؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
الحقيقة الدولية – محمد فلاح الزعبي - في شوارع محافظة إربد، لم يعد مشهد محال العطارة مجرد تفصيل تقليدي عابر، بل أصبح ظاهرة لافتة تتنامى بوتيرة واضحة، حيث تنتشر هذه المحال في الأسواق الشعبية والأحياء، مقدّمة مزيجًا من الأعشاب الطبيعية والوصفات المتوارثة، وسط تساؤلات متزايدة: هل نحن أمام طب بديل حقيقي؟ أم مكمل للعلاج الحديث؟ أم مجرد امتداد لذاكرة الأجداد؟العطارة في أصلها ليست ظاهرة طارئة، بل تعود إلى قرون طويلة، حين كان الإنسان يعتمد على الطبيعة لعلاج أمراضه اليومية، قبل تطور الصناعات الدوائية الحديثة. ففي إربد، كما في بقية المدن الأردنية، لا تزال هذه الثقافة حاضرة بقوة، خاصة لدى كبار السن، الذين يجدون في " اليانسون والبابونج والزعتر " أكثر من مجرد أعشا ، بل طمأنينة موروثة.يقول امجد الخب صاحب محل العطارة في وسط اربد إن الإقبال لم يعد مقتصرًا على كبار السن، بل بات الشباب أيضًا يبحثون عن " البديل الطبيعي "، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الأدوية، أو التخوف من آثارها الجانبية. ويضيف: نحن لا ندّعي أننا أطباء، لكننا نقدّم ما هو معروف ومجرب في حالات بسيطة مثل المغص والبرد والأرق.لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه: كيف عرف العطارون أن هذه العشبة تعالج هذا المرض؟ والإجابة، كما يرويها العاملون في المهنة، هي مزيج من “الخبرة المتراكمة” و( الموروث الشعبي ) فالكثير منهم ورث المهنة عن آبائه وأجداده، حيث تنتقل المعرفة شفهيًا عبر الأجيال، قائمة على التجربة والملاحظة؛ ما نجح يُعاد استخدامه، وما فشل يُترك. ومع مرور الوقت، تحولت هذه التجارب إلى ما يشبه ( دليلًا شعبيًا ) غير مكتوب.و يشير بعضهم إلى أنهم باتوا يعتمدون أيضًا على مصادر حديثة، مثل الكتب المتخصصة أو الإنترنت، في محاولة لمواكبة المعرفة العلمية، ولو بشكل جزئي. ومع ذلك، تبقى هذه المعرفة – في كثير من الأحيان – غير خاضعة للتجريب العلمي الدقيق، ما يفتح باب الجدل حول دقتها وسلامتها.وبين هذا الرأي وذاك، يقف مختصون في القطاع الصحي عند نقطة وسط، معتبرين أن العطارة يمكن أن تكون " مكملً " للعلاج، لا بديلًا عنه، خصوصًا في الحالات البسيطة، مع التحذير من استخدامها العشوائي أو كبديل عن التشخيص الطبي، لما قد يحمله ذلك من مخاطر صحية.اللافت في المشهد، أن نسبة ملحوظة من العاملين في هذا المجال هم من المتدينين، وهو ما يربطه البعض بالموروث الإسلامي، حيث وردت في التراث نصوص وأحاديث تتحدث عن التداوي بالأعشاب مثل الحبة السوداء والعسل. هذا الارتباط يمنح العطارة بعدًا “روحانيًا” لدى شريحة من الناس، يجعلهم أكثر ثقة بما يُقدّم داخل تلك المحال.غير أن مختصين في الشأن الديني يؤكدون أن الإسلام دعا إلى التداوي عمومًا، دون حصره في وسيلة بعينها، وأن استخدام الأعشاب يجب أن يكون ضمن إطار العلم والمعرفة، لا الاجتهاد غير المدروس.وبين مؤيد يرى فيها عودة إلى الطبيعة، ومعارض يحذر من فوضى الاستخدام، تبقى محال العطارة في إربد عنوانًا لحكاية ممتدة بين الماضي والحاضر، حيث تختلط رائحة الأعشاب بذاكرة الناس، في مشهد يعكس بحث الإنسان الدائم عن الشفاء، بأي وسيلة يثق بها.




