🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
995,682 مقال 401 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 4,346 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

بين المدرسة والعيادة: أين يذهب المراهقون حين يحتاجون دعمًا نفسيًا؟

صحة
حبر
2026/07/15 - 10:09 501 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

كانت راما* طالبة في مدرسة خاصة بعمّان حين تعرّضت للتنمر في الصف السادس ثم العاشر، فأخبرت المرشدين في المدرسة بما جرى، وتتذكر أنها بكت مرةً أمامهم.

حاولوا تهدئتها، لكنهم في نهاية المطاف كما تقول لم يقدموا لها مساعدةً حقيقية، فيما استمر الفتى المتنمّر في أفعاله.

ومع أنها تشكّ في أنهم تحدثوا معه حول سلوكه، فإنها تتساءل عمّا كان بوسعهم فعله أصلًا: «يفصلوه من المدرسة؟ لا، ما صار اشي».

هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.

كانت راما* طالبة في مدرسة خاصة بعمّان حين تعرّضت للتنمر في الصف السادس ثم العاشر، فأخبرت المرشدين في المدرسة بما جرى، وتتذكر أنها بكت مرةً أمامهم. حاولوا تهدئتها، لكنهم في نهاية المطاف كما تقول لم يقدموا لها مساعدةً حقيقية، فيما استمر الفتى المتنمّر في أفعاله. ومع أنها تشكّ في أنهم تحدثوا معه حول سلوكه، فإنها تتساءل عمّا كان بوسعهم فعله أصلًا: «يفصلوه من المدرسة؟ لا، ما صار اشي».

حاولت راما الاعتماد على المرشدين في أمور أخرى أيضًا، مثل ما كانت تعيشه من ضغوط دراسية ومشاكل شخصية وخلافات مع الأصدقاء، لكنها لم تجد الدعم المطلوب في كل مرة، وعندما تلقت مساندة كانت محدودة. وحين كانت تسأل المرشدةَ حيال مشاعرها بالحزن والضغط، لم يكن ما تقوله يُفهم باعتباره مؤشرًا محتملًا على حالة نفسية أعمق، فلم يُسمَّ أو يُطرح احتمال الاكتئاب، بل قيل لها إن: «هاد الشي طبيعي، الكل بمر بهيك ظروف».

اليوم، وقد بلغت راما التاسعة عشرة وتدرس الطب، ترجّح أن ما كانت تشعر به على مقاعد المدرسة كان اكتئابًا، وترى أن دور المرشدين، كما عرفته، بقي في حدود الاستماع وأحيانًا في اقتراح تدوين اليوميات أو تمارين التنفس. وفي هذا السياق، تتذكر زميلة لها في الصف كان اكتئابها ظاهرًا للجميع، لكن المدرسة لم تتخذ لفترة طويلة أي إجراء، إلى أن أعلنت الفتاة يومًا أمام زملائها في الصف أنها تريد الانتحار، حينها فقط تحرّكت المدرسة فاستدعت الأهل وطلبت تدخلًا متخصصًا. لكن بعد ذلك بوقت قصير غادرت الفتاة المدرسة، ولا تعرف راما ما حصل معها.

هكذا تبدو المدرسة المكان الأقرب لملاحظة بعض التغيّرات أو المشاكل النفسية لدى المراهقين، لكنها كما تظهر قصة راما ليست المكان الذي يقود إلى مساعدة متخصصة. وتظهر الأرقام أن ما شعرت به راما لا يقتصر عليها، ففي أواخر عام 2022 أجري مسح وطني واسع النطاق حول الصحة النفسية في المدارس الأردنية، وشمل نحو ثمانية آلاف طفل ومراهق من مدارس حكومية وخاصة وتابعة للأونروا، بالإضافة إلى مدارس في مخيمات اللجوء ومراكز تعليم غير نظامي، وأظهرت نتائجه أن رُبع المراهقين تقريبًا (12-18 عامًا) ممن شملهم المسح ظهرت عليهم أعراض القلق، كما ظهرت على خُمسهم تقريبًا أعراض اكتئابية شديدة، فيما أظهر ما يقارب نصفهم ضعفًا في الأداء العاطفي. وقد سجلت الفتيات نسبًا أعلى من الفتيان، فيما سجل المراهقون من اللاجئين السوريين والفلسطينيين النسب الأعلى على الإطلاق.

وخلصت دراسة منفصلة صدرت عام 2024 مستندةً إلى فحص نحو 800 مراهق في عمّان، تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عامًا، إلى أن ثلثهم تقريبًا ظهرت عليهم أعراض اكتئاب متوسط إلى شديد، وأن الغالبية الساحقة -بنسبة بلغت قرابة 97% من مجمل العينة- لم يزوروا في حياتهم طبيبًا نفسيًا، فيما أفاد معظمهم -نحو 87% منهم- بعدم وجود تاريخ عائلي للمرض النفسي، و قد يعبّر هذا الرقم الأخير إلى حدٍ ما عن محدودية الإفصاح داخل الأسر عن مشكلات الصحة النفسية أو الاعتراف بها. يُذكر أن ما يسمى بـ«وصمة العار» المتعلقة بالصحة النفسية تحتل موقعًا مركزيًا في هذا المشهد، فهي مسؤولة عما يقارب 40% من حالات تأخر مراجعة الطبيب والانقطاع المبكر عن العلاج ورفض تناول الأدوية الموصوفة، بحسب دراسة نشرتها مجلة الخدمات الطبية الملكية عام 2020.

وقد أصبحت الاضطرابات النفسية السبب الأول لاعتلال الصحة بين الأردنيين في الفئة العمرية 10-19 عامًا، إذ تشكّل ما يقارب ربع العبء المرضي الكلي في هذه الفئة.[1] لكن الأرقام الأكثر دلالة تظهر في كيفية تصرف المراهقين حين يواجهون مشكلة شخصية أو عاطفية، إذ قال واحدٌ فقط من كل خمسة مراهقين إنه سيطلب مساعدة متخصصة، فيما قال قرابة 82% منهم إنهم سيلجأون إلى الأهل أولًا، وقال أكثر من نصفهم إنهم سيتوجهون إلى الأصدقاء، ثم رجال الدين، فيما قال ثلثهم فقط إنهم سيتوجهون إلى المرشد المدرسي. وعند سؤالهم عن أسباب عدم طلبهم المساعدة، قال نحو ثلاثة أرباعهم إنها مشيئة الله وإن عليهم تقبّل قدرهم، وقال عدد قريب من ذلك إنهم سيحلّون مشاكلهم بأنفسهم، فيما لم يرغب ما يقارب نصفهم في أن يعرف مجتمعهم بالأمر، وقال أكثر من ثلثهم بقليل إنهم لا يعرفون أصلًا أين توجد خدمات الصحة النفسية.

كانت راما من القلة التي حاولت الوصول للمساعدة، وتلخّص المشكلة بقولها: «أنظمة الدعم الموجودة هي ردّ فعل بعد وقوع الأزمة، مش إشي وقائي». توفي والد راما العام الماضي، وجدت بعدها معالجًا نفسيًا يساعدها على تجاوز ما تمر به، ووصلت إليه بدافع الحاجة الملحّة التي فرضها الفقد، من دون إحالة من أي جهة، أو بنية مصمَّمة لالتقاط ما كانت تعانيه مبكرًا.

مرشد واحد للمدرسة كلها

في مدرسة حكومية، تقول طالبة التوجيهي إيمان* (17 عامًا) إن مدرستها نظّمت محاضرات عن الصحة النفسية، لكنها خرجت منها بمفردات تساعدها على فهم ما تشعر به، لا بطريق واضح إلى المساعدة. توجد في المدرسة مرشدة، لكن إيمان لم تزرها يومًا ولا تنوي فعل ذلك قريبًا: «ما برتاح لها (..) مش مقربة مني، حد غريب يعني». وبالنسبة إليها لم تكن المشكلة في غياب المرشدة، بل في غياب العلاقة التي تجعل بابها قابلًا للطرق، لذلك لجأت إلى بناء شبكة دعم خارج المدرسة؛ صديقاتها اللواتي -كما تقول- يفهمنها أكثر من أي مختص لأنهن يعشن التجربة نفسها.

لكن ابتعاد الطلاب عن مكتب المرشد لا يُعزى دائمًا إلى غياب الثقة وحده، فقد تكمن المشكلة في طبيعة الدور نفسه، وما يتحمّله المرشد من متطلبات ومهام متعددة ومتراكمة. عماد كراجة مرشد تربوي عمل في أربع مديريات تربية في الأردن، وهو شغوف بالصحة النفسية حيث درسها ولا يزال يوسّع معرفته بها. ما إن يصل إلى المدرسة حتى يبدأ بالتعامل مع الطالب الذي يرتدي زيًا مخالفًا، والطالب الذي ينام في الصف، والطالب الذي يتغير سلوكه. وتُحال إليه معظم الأمور المتعلقة بشكاوى الطلاب أو خلافاتهم، حتى مع المعلمين.

يقول كراجة إن المرشد التربوي «خاصة بالمدارس الحكومية هو عبارة عن مركز أمني وضابطة عدلية ومحكمة صلح، كل الأمور بعيدة كل البعد عن الإرشاد التربوي». ومن المهام التي يتولاها تقديم 12 جلسة إرشاد جماعي شهريًا، تغطي التنمر وقلق الامتحانات وإدارة الوقت والحضور والغياب. وهذه المهام في جوهرها شكلٌ من أشكال التدخل المبكر، لكن مسؤولياته في الواقع تزدحم بكل ما يهبط على مكتبه، حيث أن «20% من وقتي بس للإرشاد. باقي الشغل إما مكتبي إداري، أو قاعد مثل رئيس مخفر بدي أصلح بين كل هالمشاكل».

ووفقًا لكراجة فإن تعليمات وزارة التربية والتعليم تقضي بمرشد واحد لكل 150 طالبًا، بعدما كانت النسبة قبل عامين مرشدًا لكل 250 طالبًا، «بس هل هذا مطبق على أرض الواقع؟ لا». علمًا بأن المعيار الأردني -نظريًا- يُعتبر أكثر تشددًا من المعمول به في دول أخرى، فعلى سبيل المثال توصي الجمعية الأمريكية للمرشدين المدرسيين بمرشد لكل 250 طالبًا، ويُنظر لهذا المعدل بوصفه أزمة مستمرة في المدارس الأمريكية، حيث لا يزال المعدل الوطني أقرب إلى 370 طالبًا للمرشد الواحد.

يرى كراجة أن الوضع الحالي لا يعود إلى تقصير وزارة التربية والتعليم، بل يعتبرها داعمة ضمن إمكاناتها، فهي تنظّم الورشات وتعقد التدريبات وتعمّم أفضل الممارسات. لكن المعضلة برأيه تتعلق بنقص الكوادر، فعدد المرشدين أقل من اللازم مقارنة بالأعداد الكبيرة من الطلبة، فيما يتركز اهتمام الوزارة المؤسسي، كما يقول، على التعليم التقني وبرامجه.

يتابع عماد اليوم نحو 300 طالب بصفته المرشد الوحيد في مدرسته، بعدما كان في أكثر مراحله إنهاكًا يتابع ما يصل إلى 1,200 طالب. وهو يعتقد أن الإرشاد كثيرًا ما ينجح حين يأتي الطالب بإرادته، لكن المرشد اليوم صار رجل ضبط، حيث يصل الطلاب إلى مكتبه استدعاءً: «الإرشاد يطلب ولا يعطى» يقول كراجة، ما يعني أن الطلاب الذين يحتاجون المساعدة فعلًا قد لا يذهبون إليه من تلقاء أنفسهم.

وإلى جانب تحفّظ الطلبة، يتحفّظ الأهالي أحيانًا على طلب المساعدة النفسية، وهو يتذكر مرةً نبّه فيها والدة أحد الطلاب إلى ظهور مؤشرات على ابنها تدل على حاجته إلى دعم نفسي، فردّت بتقديم شكوى رسمية ضده، مستاءةً من التلميح إلى أن ابنها قد يكون «مريضًا نفسيًا».

في المقابل، وبالنظر إلى المدارس الخاصة، تتغير الصورة على مستوى الموارد، فبعض المدارس الخاصة متوسطة ومرتفعة الرسوم في عمّان توظّف أخصائيين نفسيين مدرَّبين إكلينيكيًا ضمن كوادرها، وتعتمد بروتوكولات للتعامل مع الأزمات، وتقيم شراكات مع عيادات خارجية. فإذا احتاج طالب إلى دعم نفسي متقدم، قد تملك المدرسة بنية أقدر على كشف ذلك، فيما تملك العائلة أحيانًا قدرة أكبر على دفع تكاليف العلاج في القطاع الخاص عند الحاجة.

لكن فرق الموارد وتوفر البنية التحتية لا يلغي مسألة الوصمة. في مدرسة راما الخاصة، كان مكتب المرشدين ملاصقًا للاستقبال، وواضحًا لكل داخل وخارج. وكان الطلاب الخارجون من الجلسات يتسلمون تصريحًا يُعرف بـ«بطاقة العافية» للعودة به إلى صفوفهم، وهو تفصيل إداري صغير لكنه كان أشبه بإشارة علنية إلى المكان الذي كانوا فيه. وكان ذلك، لكثير من الطلاب، سببًا كافيًا للامتناع عن الذهاب إلى مكتب المرشدين.

الحلقة الوسطى المفقودة

ترى لانا الطويل، وهي أخصائية نفسية إكلينيكية ومؤسِّسة مركز «كن بخير» للتثقيف النفسي في عمّان، أن قطاع الصحة النفسية في الأردن يواجه تحديين متوازيين: أولهما محدودية الخدمات والكوادر مقارنة بالاحتياج الفعلي وتوزّعها غير المتكافئ، وثانيهما ضعف المعرفة بالصحة النفسية وضعف التكامل بين القطاعات والمهنيين، ما يجعل الوصول إلى الخدمة المناسبة أكثر صعوبة، ويربك الناس بشأن الجهة التي ينبغي التوجه إليها، ونوع الخدمة التي يحتاجونها، والمختص الأنسب لحالتهم، و«أكبر عائق هو عدم وجود المعرفة الأساسية تجاه الصحة النفسية» كما تقول.

وفي نظرها فإن الطب النفسي والعلاج الدوائي ركيزتان أساسيتان في رعاية الصحة النفسية، لكن ما ينقص المنظومة حاليًا هو نموذج متعدد التخصصات يعمل فيه الطبيب النفسي والأخصائي النفسي والمرشد وطبيب الأسرة والمدرسة ضمن مسار رعاية متكامل، يضمن حصول كل شخص على مستوى التدخل المناسب وفق احتياجه.

«بالأردن في اعتماد كبير على الطب النفسي وعلى الأدوية، وما في تعاون بين الأطباء والأخصائيين النفسيين لبناء نموذج متكامل» تقول الطويل، مشيرة إلى هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) كمثالٍ على ما تسميه نموذج الرعاية المتدرّجة، حيث توجد سلسلة مترابطة يكون فيها للطبيب العام والمرشد والأخصائي النفسي والطبيب النفسي دور محدد، وينتقل المرضى بينهم بحسب الحاجة. أما في الأردن، كما تقول، فالحلقة الوسطى في هذه المنظومة مفقودة؛ أي المرشدون والأخصائيون النفسيون وطبقة التدخل المبكر.

ولا يقتصر هذا النموذج على بريطانيا وحدها؛ فمنظمة الصحة العالمية وضعت بدورها إرشادات بالاتجاه ذاته ضمن دليل خاص بالخدمات الصحية المدرسية، وحزمة تدريبية في الصحة النفسية موجّهة للعاملين في التعليم، أي أن المعايير موجودة لكنها لا تنعكس بالضرورة في الممارسة.

وتعتقد الطويل أن مراهقي اليوم يواجهون تحديات جديدة ومتسارعة تختلف عما عرفته الأجيال السابقة، بما فيها التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والألعاب الرقمية، إلى جانب الضغوط الأكاديمية والاجتماعية، وهو ما يجعل الاستثمار في الوقاية والتدخل المبكر أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

وهي في الوقت نفسه تشير إلى فجوة أخرى: «لازم يكون عنا منهاج يعلم الطلاب والمراهقين من عمر صغير إيش يعني صحة نفسية، وكيف أبني مرونة نفسية، كيف أقدر أواجه الحياة بطريقة صحية». كما تذهب إلى ما هو أبعد من المناهج، إذ تدعو إلى دمج الصحة النفسية في البيئة المدرسية، بما فيها ما تسميه «المنهج الخفي» بحيث تصبح بعض المهارات، مثل تنظيم الانفعالات والمرونة النفسية والتعاطف وطلب المساعدة وحل المشكلات، جزءًا من الثقافة اليومية داخل المدرسة. وتشدد على ضرورة الاستثمار المستمر في تدريب المرشدين التربويين وربطهم بشبكة واضحة من الخدمات الصحية والنفسية، حتى يتعرّفوا مبكرًا على الطلبة الذين يحتاجون دعمًا، ويحيلوهم إلى الجهة المناسبة في الوقت المناسب.

العلاج النفسي الخاص: فاتورة ثقيلة

حين تتجاوز الحالة ما يمكن للمدرسة أن تتعامل معه، أو حين لا تجد العائلة مسار إحالة واضحًا، يصبح العلاج الخاص بالنسبة إلى كثيرين الطريق الأقرب، لكنه ليس الطريق الأسهل بالضرورة. ليلى* مطلقة وأم لولدين، أكبرهما عمره 15 عامًا، وكان متفوقًا في دراسته، يتلقى دروسًا في البيانو، ويعيش حياة هادئة ومنظمة، إلى أن بدأت آثار أزمة الحضانة جرّاء الطلاق تصل إليه، فانطوى الصبي الذي كان لطيفًا متعاونًا كما تقول والدته على نفسه. صحيح أنه لم يفتعل المشاكل، لكنه توقف عن الإصغاء والتركيز، وقد لاحظت مدرسته الخاصة ذلك حتى قبل أن تُفصح لهم ليلى عن التطورات في حياته.

لاحقًا، فرضت الظروف انتقال الفتى إلى مدرسة حكومية، شرحت ليلى للمدير الظروف التي يمر بها والمتعلقة بالانفصال وإجراءات الحضانة، طالبة التحدث إلى مرشد المدرسة، لكن من دون فائدة ملموسة: «ما إله أي أدنى دور» كما تقول. وقد انتقل ابنها هذا لاحقًا للعيش مع والده، أما الابن الأصغر وعمره عشر سنوات فتأثر بما تبقّى من التوتر والمشاكل، وصار عدوانيًا متمردًا يرفض كل ما يُطلب منه، ما دفع ليلى أخيرًا إلى الجلوس مع معالج نفسي بنفسها، ثم ترتيب جلسات له أيضًا.

حاولت ليلى الحصول على دعمٍ نفسيٍ لها ولعائلتها، فوصلت إلى معالِجة عبر صديقة، مكتفيةً بالمراجعة من خلال جلسات هاتفية. مع ذلك، كانت الكلفة عائقًا، إذ تتراوح كلفة جلسة العلاج النفسي الخاصة بين 40 و80 دينارًا، أي أن جلسة أسبوعية واحدة بالحد الأدنى لها ولطفليها ستكلّف نحو 480 دينارًا شهريًا. وهي تعدّ نفسها من المحظوظات، فلديها عائلة وعمل وتستطيع تدبّر أمرها، لكنها أيضًا تفكر في النساء اللواتي لديهن مراهقون يتعثرون من دون جهة تتحمل كلفة مساعدتهم.

لكن المسألة لا تتوقف عند التكلفة فحسب، فالوصول إلى العلاج النفسي الخاص يرتبط أيضًا بتوزيع العيادات والأطباء، وغياب التغطية التأمينية في معظم الحالات، ما يجعل الأهالي يتحملون التكاليف وحدهم. وبحسب علاء الفروخ، رئيس جمعية أطباء الأمراض النفسية، فإن عدد الأطباء المسجلين اليوم في الجمعية يبلغ 180 اختصاصيًا، بعدما شهدت السنوات الخمس الأخيرة نموًا كبيرًا في الأعداد مع تخرّج أطباء جدد في هذا الاختصاص كل عام، مشيرًا إلى وجود أطباء مرخصين من غير أعضاء الجمعية.

يوضّح الفروخ أن معظم العيادات النفسية الخاصة يتركز في عمّان. وهذا التركز في العاصمة والمحافظات الكبرى لا يقتصر على الطب النفسي لكنه يتفاقم فيه تحديدًا، لأن الكثير من الأطباء النفسيين لا يرون جدوى من فتح عيادات في المناطق الطرفية، على اعتبار أن سكانها يعتمدون على التأمينات الصحية، والتي لا تشمل الطب النفسي.

ويرى الفروخ أن استثناء الصحة النفسية من التأمين يفاقم مشكلة يختص بها الطب النفسي؛ فالجلسة الواحدة تستغرق غالبًا بين 30 و60 دقيقة مع مريض واحد، مقارنة بزيارات أقصر وأكثر عددًا في معظم التخصصات الأخرى، ما يجعل دخل الطبيب النفسي معتمدًا كليًا على أجور الجلسات التي يدفعها المرضى من جيوبهم، من دون أي إسناد من التأمين: «فإذا كان فيه ضغط بده يصير من الناس والإعلام، يفترض أن يكون باتجاه شركات التأمين حتى تشمل الطب النفسي ضمن التأمين الصحي للموظفين»، يقول الفروخ.

وهو يعتبر أن استثناء التأمين يقع ضمن غياب تشريعي أوسع للصحة النفسية التي لا يغطيها قانون الصحة العامة إلا بشكل محدود، ما يستدعي برأيه توسيع القانون القائم أو إقرار تشريعٍ خاصٍ بالصحة النفسية. ومن جهتها، تعتبر الطويل أن الصحة النفسية مسؤولية مشتركة تتقاسمها قطاعات الصحة والتعليم والمجتمع والجهات الحكومية والقطاع الخاص، وأن هذه المسؤولية تبدأ من توسيع المعرفة بالصحة النفسية، وعدم التردد في طلب المساعدة عند الحاجة، والاستماع جيدًا لمن يطلبونها، فالعناية بالصحة النفسية حقٌ أساسي لكل شخص، لا مؤشر ضعف.

  • الهوامش

    * أسماء مستعارة للحفاظ على خصوصية أصحابها.


    [1] بحسب التقرير الخاص بالأردن عن دمج خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في الرعاية الصحية الأولية، للأطفال والمراهقين والنساء الحوامل والأمهات الجدد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والصادر عام 2023 عن الهيئة الطبية الدولية ومكتب اليونيسف الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

المصدر: حبر | Source: حبر

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن صحة | More on Health

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم صحة. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: حبر. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Health. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: حبر.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free