بين عودتين: الجنوبيون يعبرون من جديد
مع طلوع صباح أول يوم من وقف إطلاق النار في لبنان في 17 من نيسان، بدأ تدفق العائدين إلى قراهم في الجنوب، في مشهدٍ بات علامة متكررة بعد كل عدوان إسرائيلي على لبنان. إلا أن ارتباط وقف إطلاق النار هذه المرة بهدنة مؤقتة لعشرة أيام صبغ هذه العودة بالحذر، رغم حضور مظاهر الفرح. من الضاحية الجنوبية لبيروت، خاضت المصورة اللبنانية فاطمة جمعة رحلة العودة مع غيرها من الجنوبيين، لتنقل شهادتها عنها في هذه القصة المصورة.
صباح الجمعة، بدأت رحلة العودة إلى الجنوب من الضاحية الجنوبية برفقة زميلتي. كانت المقارنة مع العودة بعد حرب الـ66 يومًا حاضرة في بال الكثيرين. فرغم أننا خرجنا من هذه الحرب بنتائج ميدانية أفضل من الحرب الماضية، إلا أن فكرة الهدنة وضعت ردود الفعل في إطار المؤقت. كان السؤال حاضرًا في بال الكل: هل تستمر هذه الفرحة؟ كان المشهد العام مختلفًا في بعض تفاصيله. ورغم أن بعض أشكال الاحتفال غابت هذه المرة، إلا أن الشوق للجنوب كان حاضرًا، وكذلك الرغبة في إعلان العودة.
طيلة الطريق، كانت زميلتي المهجرة من الجنوب تستذكر الرحلة العكسية التي قامت بها قبل 45 يومًا حين تهجرت من بيتها، وتشرح كيف أن هذه العودة التي تدرك أنها قد تكون مؤقتة تشكل بالنسبة لها نوعًا من النصر الذي يتحقق بالمشاركة في صناعة صورة أهل الجنوب العائدين إلى قراهم. فرغم التحذيرات التي صدرت من الجيش ومن المقاومة ومن وسائل الإعلام، مطالبة الناس بالتريث في العودة، إلا أن رغبة الناس لم تكن قابلة للضبط أو الاحتواء، وكأنهم يقولون إننا لا نستطيع أن نبيت ليلة إضافية في أماكن نزوحنا ونحن نعلم أن بوسعنا أن نصل إلى قرانا.
كانت الطريق صعبة للغاية. في قرية الغازية في قضاء صيدا، التي نعتبر أن طريق الجنوب تبدأ رسميًا منها لتتفرع بعدها إلى قرى مختلفة، كان الناس يتجمعون ويتحدثون، يسألون بعضهم إلى أين هم عائدون، وما إذا كانوا سيبقون أم لا. البعض اصطحبوا معهم وسائد وفرشًا ما يعكس نيتهم بالبقاء والعودة النهائية. وعلى طول الطريق، كنا نرى كثيرًا من العائلات ترفع صور أبنائها الشهداء، وكأنهم يقولون إنهم يعودون من أجلهم، وأن هذه العودة هي امتداد لفعلهم، وهم الذين كانوا أول العائدين.
في الطرق الفرعية نحو القرى، كنا نجد دومًا مجموعات من المرحبين، وكان ملفتًا وجود كثير من المسعفين، سواء من كشافة الرسالة أو الهيئة الصحية الإسلامية أو الدفاع المدني، الذين كانوا من أكثر المستهدفين في هذه الحرب [حيث استشهد 100 وجرح 233 من المسعفين والعاملين الصحيين، بحسب وزارة الصحة اللبنانية]. صادفت عائلة الشهيد علي حسن الجشي، المسعف الذي استشهد في مجزرة برج قلاوية، بعد استشهاد أبيه المسعف أيضًا في المكان ذاته قبلها بأيام. تلك الأسماء التي كنا نتداولها في الأخبار العاجلة بعيدًا عن الجنوب باتت أمامنا على تلك الطريق، وأصبح لكل وجه واسم عائلة.
حين وصلنا إلى جسر القاسمية [الذي يمر فوق نهر الليطاني والذي دمرته الغارات الإسرائيلية المتجددة قبل ساعات من وقف إطلاق النار]، كانت أزمة السير خانقة، وكان العائدون يتحولون لطرق فرعية بحثًا عن ممر للعبور. في قريتيْ بدياس وطرفلسيه القريبتين المحاذيتين للنهر، كان الجنوبيون بمبادرات فردية يعملون على بناء «عبّارات» أو جسور صغيرة مرتجلة لمساعدة الناس على قطع النهر. استوقفني ذلك المصطلح الذي كان جديدًا عليّ. بدا لي وكأن هذا النهر الذي أرادوا جعله حدًا فاصلًا يحبس الجنوبيين بات هو ذاته ممرًا، نمد فوقه «العبّارات» لنعود من جديد.


















