بنسعيد ومعرض “الملايير”.. تبذير للمال العام وواجهة ثقافية فارغة تخدم الشركات أكثر من الثقافة
يتواصل الجدل حول طريقة تدبير المعرض الدولي للنشر والكتاب، في ظل الانتقادات المتزايدة الموجهة إلى وزير الثقافة والشباب والتواصل محمد المهدي بنسعيد، بسبب ما يعتبره متابعون تحويلاً لأكبر تظاهرة ثقافية بالمغرب إلى مشروع مكلف يستهلك الملايير من المال العام دون أثر ثقافي يوازي حجم الإنفاق الضخم الذي يُرصد له سنوياً.
وفي بلاغ شديد اللهجة، كشف”ملتقى الرباط لإحياء الموروث الثقافي والفني” عن اختلالات وصفها بـ”البنيوية” مست جوانب التنظيم والحكامة والتدبير الرقمي للمعرض، ما يعكس، بحسب متابعين، فشلاً واضحاً في تدبير حدث يفترض أن يكون واجهة ثقافية للمغرب وليس مجرد فضاء موسمي للبهرجة والتسويق السياسي.
ومن أبرز النقاط التي فجرت موجة الاستياء، استمرار الاعتماد شبه الكلي على المعاملات النقدية “الكاش”، في مشهد وصفه البلاغ بالمتخلف عن التحولات الرقمية التي تعرفها المملكة، مع غياب واسع لأجهزة الأداء الإلكتروني ونقص كبير في أجهزة السحب البنكي، ما خلق معاناة يومية للزوار والعارضين، وطرح علامات استفهام حول الشفافية المالية داخل تظاهرة تُصرف عليها ميزانيات ضخمة من المال العام.
الأخطر من ذلك، بحسب البلاغ، هو غياب الفواتير في عدد من أروقة بيع الكتب، الأمر الذي يفتح الباب أمام الفوضى المالية ويضيع مداخيل ضريبية مهمة على خزينة الدولة، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن الرقمنة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى منتقدون أن الوزير بنسعيد منح تنظيم وتدبير أجزاء واسعة من المعرض لشركات خاصة وفق منطق الصفقات والتفويض المكلف، دون أن ينعكس ذلك على جودة الخدمات أو القيمة الثقافية للتظاهرة، وهو ما جعل كثيرين يعتبرون أن الأمر يتعلق بتبديد مقنن للمال العام تحت غطاء الثقافة والتظاهرات الدولية.
كما أثار البلاغ فضيحة أخرى تتعلق بالموقع الإلكتروني الرسمي للمعرض، الذي وصفه بـ”الفارغ من المحتوى”، بسبب غياب أرشيف الدورات السابقة وتوثيق الندوات واللقاءات الفكرية، رغم الميزانيات المرصودة للتواصل الرقمي. وهو ما اعتُبر إهداراً لذاكرة ثقافية راكمها المعرض عبر سنوات، وتحويل المنصة الرقمية إلى واجهة مؤقتة بلا عمق معرفي أو توثيق تاريخي.
وسجل البلاغ أيضاً غياب أي تنسيق رقمي بين منصات الوزارة والمعارض التابعة لها، مع إطلاق مواقع متفرقة تفتقر للأرشيف والاستمرارية، في نموذج يعكس، بحسب متابعين، ارتجالاً إدارياً وهدرًا إضافياً للميزانيات العمومية بدل بناء منصة رقمية موحدة ومستدامة.
وعلى المستوى التنظيمي، تعرض اختيار فضاء السويسي لانتقادات قوية بسبب الاختناق المروري ونقص مواقف السيارات، في وقت لا يزال فيه مشروع “المعرض الدولي للمعارض” يراوح مكانه، رغم الوعود السابقة بإنجازه. وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى الاستمرار في إقامة منشآت مؤقتة ومكلفة كل سنة، بدل إنشاء فضاء دائم يليق بعاصمة يفترض أنها تقدم نفسها كواجهة ثقافية حديثة.
ولم يخف البلاغ رفضه لفصل المعرض عن مدينة الدار البيضاء، معتبراً أن نقل التظاهرة إلى الرباط شكل “استئصالاً” لذاكرة ثقافية ارتبطت لعقود بالعاصمة الاقتصادية، فيما اعتبر أن استحداث “المعرض الدولي لكتاب الطفل والشباب” مجرد تكرار إداري يفتقر للنجاعة ويضاعف مصاريف التنظيم دون مبرر حقيقي.
وفي مقابل هذه الاختلالات، يرى مثقفون وفاعلون ثقافيون أن الوزير بنسعيد ركز بشكل أكبر على الصورة والتسويق الإعلامي، بينما تراجع العمق الفكري والثقافي للمعرض، الذي بات، بحسب تعبيرهم، أقرب إلى “حدث مناسباتي” يستهلك ميزانيات ضخمة دون أن ينجح في صناعة إشعاع ثقافي حقيقي أو استقطاب أسماء فكرية وثقافية عالمية بحجم طموحات المغرب.





