عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، إلى واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية في مساره، مستحضراً كواليس الانتخابات التشريعية التي جرت في 7 أكتوبر 2016، وما رافقها من صراعات وتوترات سياسية انتهت بتصدر حزبه للنتائج، ثم دخول المشهد السياسي في أزمة طويلة أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة.
وخلال حديثه عن تلك المرحلة، قدم بنكيران رواية جديدة بشأن ما سبق الانتخابات، متهماً جهات لم يسمها بالإعداد لترتيبات سياسية كان الهدف منها، بحسب روايته، الدفع بحزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة نتائج الاقتراع، والتأثير بالتالي في موازين المشهد السياسي بعد الانتخابات.
بنكيران: الملك منع التلاعب بالانتخابات
أبرز ما كشفه بنكيران في روايته هو حديثه عن تدخل الملك محمد السادس لمنع أي تلاعب محتمل في نتائج انتخابات 2016.
وقال رئيس الحكومة الأسبق إن جهات كانت تسعى إلى تغيير مخرجات الاقتراع، قبل أن يتدخل الملك للحيلولة دون ذلك، مضيفاً: “الذي منعهم أن يزوروا تلك الانتخابات وتلك النتائج هو جلالة الملك.. هذه معلومة أنا أقولها لكم والله يجازيه بخير”.
ويقدم بنكيران هذا المعطى باعتباره معلومة جديدة يكشف عنها بعد مرور سنوات على الانتخابات، مؤكداً أن الحفاظ على نتائج الاقتراع ونزاهتها حال دون تغيير ترتيب الأحزاب الذي أفرزته صناديق الاقتراع.
وتبقى هذه الرواية، في غياب وثائق أو معطيات رسمية تؤكدها، منسوبة إلى بنكيران باعتبارها شهادته الشخصية على ما جرى خلف الكواليس.
خرجة بنكيران أن الملك رفض تزوير انتخابات 2016، ظاهر الكلام أنه إشادة من بنكيران للملك أما باطنه يقول لا نريد تكرار المهزلة التي حصلت بـ2021 في انتخابات 2026، ولأننا في بلد الإستثناء وبنكيران يسير في حقل الألغام فسؤال لماذا لم يتم محاسبة أولئك المزورين ب 2016 يعد سؤالاً انتحارياً. pic.twitter.com/eRwYi7Hklf
— 🦅 (@Loqman40sec) August 21, 2026
تقرير أولي لصالح «البام»؟
وفي السياق نفسه، تحدث بنكيران عن تقرير أولي لنتائج الانتخابات أعدته وزارة الداخلية، قال إنه كان يتجه نحو إعلان حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى.
وبحسب روايته، تغيرت المعطيات لاحقاً، وانتهى المسار الانتخابي بإعلان حزب العدالة والتنمية متصدراً للنتائج، وهو ما سمح له بتولي مهمة تشكيل الحكومة من جديد.
ويكتسب هذا الجزء من رواية بنكيران أهمية خاصة لأنه يربط بين ما يعتبره محاولات للتأثير في نتائج الانتخابات وبين ترتيبات سياسية كانت ستترتب على تصدر «البام» للاقتراع.
لكن هذه المعطيات تبقى، بدورها، ضمن الرواية التي قدمها رئيس الحكومة الأسبق، ولا تعني في حد ذاتها إثبات وقوع تلاعب انتخابي أو تغيير رسمي في النتائج.
“مراكز نفوذ موازية” في مرحلة رئاسة الحكومة
ولم يكتف بنكيران بالحديث عن الانتخابات، بل عاد إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة ومراكز النفوذ خلال ولايته الممتدة بين 2011 و2016.
وتحدث عن وجود ما وصفها بـ”مراكز نفوذ موازية”، مستحضراً في هذا الإطار ما نشرته مجلة “جون أفريك” في تلك الفترة حول لقاءات قيل إن إلياس العماري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، عقدها في فيلا خاصة مع شخصيات من كبار المسؤولين ورؤساء المؤسسات العمومية.
واعتبر بنكيران أن مثل هذه اللقاءات كانت تعكس، وفق قراءته، وجود دوائر نفوذ تتحرك بالتوازي مع المؤسسات الحكومية الرسمية، في وقت كان فيه هو المسؤول دستورياً عن رئاسة الحكومة.
ويعيد هذا الطرح فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات المنتخبة ومختلف مراكز التأثير السياسي والاقتصادي التي تحيط بها، وهي إشكالية ظلت حاضرة بقوة في النقاش السياسي المغربي خلال العقد الماضي.
“البلوكاج”.. الحلقة الأكثر إثارة للجدل
كما عاد بنكيران إلى أزمة تشكيل الحكومة التي أعقبت انتخابات 2016، والمعروفة سياسياً بـ”البلوكاج”.
فبعد تصدر حزب العدالة والتنمية للانتخابات وتكليف بنكيران بتشكيل الحكومة، دخلت المفاوضات في طريق مسدود نتيجة الخلاف حول تركيبة الأغلبية والتحالفات الممكنة.
وجدد بنكيران اتهاماته لعزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وإدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالمساهمة في عرقلة مسار تشكيل الحكومة.
وانتهت الأزمة بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، قبل تكليف سعد الدين العثماني بالمهمة، ليتمكن الأخير من تشكيل أغلبية حكومية جديدة.
عبد الإله بنكيران ، الأمين العام لحزب العدالة و التنمية :
” الملك حال دون تزوير إنتخابات 2016 لصالح حزب الأصالة و المعاصرة ” pic.twitter.com/YVLwqUXW8z
— Morocco warrior 🌟🌟 (@MoroccoWa39397) August 20, 2026
بنكيران: تجربتي تختلف عن تجربة العثماني
وفي حديثه عن هذه المرحلة، شدد بنكيران على ضرورة الفصل بين تجربته في رئاسة الحكومة وتجربة خلفه سعد الدين العثماني.
ويرى بنكيران أن الضغوط السياسية التي تعرض لها خلال ولايته كانت تستهدفه شخصياً وبشكل مباشر، معتبراً أن محاولات التأثير في القرار الحكومي لم تكن مرتبطة فقط بالخلافات الطبيعية بين الأحزاب، وإنما امتدت، بحسب روايته، إلى دوائر ومراكز نفوذ أخرى.
وتكشف هذه التصريحات عن استمرار بنكيران في تقديم قراءته الخاصة لمرحلة شكلت محطة مفصلية في تاريخ حزب العدالة والتنمية وفي مسار السياسة المغربية خلال العقد الأخير.
وبعد مرور سنوات على انتخابات 2016، يعيد رئيس الحكومة الأسبق فتح ملفات ظلت حاضرة في الذاكرة السياسية: نزاهة الانتخابات، نفوذ الدولة والأحزاب، العلاقة بين المؤسسات ومراكز التأثير، ثم أزمة تشكيل الحكومة التي انتهت بإبعاده عن رئاسة الحكومة.
وبينما يقدم بنكيران هذه المعطيات باعتبارها شهادة على ما جرى خلف الكواليس، فإن وزنها السياسي يبقى مرتبطاً بمدى إمكانية إسنادها بوثائق ومعطيات مستقلة، خصوصاً أن الحديث يتعلق باستحقاق انتخابي وبقرارات سياسية كان لها تأثير مباشر على مسار المغرب الحكومي والحزبي لسنوات لاحقة.




