باحثان اقتصاديان: غياب المعلومات والمراقبة يضعف الثقة بالصندوق السيادي السوري
عنب بلدي – غنى جبر
في إطار سعي الحكومة السورية لإعادة تنشيط عجلة الاقتصاد، وتحقيق تنمية مستدامة، تم إنشاء “الصندوق السيادي”، الذي يهدف إلى إدارة الأصول العامة واستثمارها.
هذا الصندوق، الذي يتمتع باستقلال مالي وإداري، يعتبر خطوة مهمة نحو تفعيل الأصول الحكومية غير المستغلة، وتعزيز الاستثمار في مشاريع إنتاجية وتنموية.
ومع إعلان لجنة مكافحة الكسب غير المشروع عن استرداد أموال “ضخمة” من رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، أصبح الصندوق السيادي نقطة محورية في إعادة توزيع
هذه الأموال وتوجيهها نحو تحسين الوضع الاقتصادي، إلا أن غموضًا يحيط بكثير من تفاصيل عمل الصندوق وآليات حوكمته.
المرسوم “113” لعام 2025
أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في 9 من تموز 2025، المرسوم رقم “113”، الذي ينص على إحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي تسمى “الصندوق السيادي”، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية.
يتولى إدارة الصندوق المدير العام ومجلس إدارة يضم رئيس المجلس، والمدير العام نائبًا للرئيس وعضوًا، ومعاون المدير العام، وأحد مديري الصندوق، وثلاثة خبراء.
ويهدف إحداث الصندوق إلى:
- تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة.
- الاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية من جميع الاختصاصات.
- تنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة.
- تحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية.
تكون إيرادات الصندوق السيادي من الاعتمادات والأموال التي تخصصها الدولة له، ومن الموارد التي تتحقق من نشاطات الصندوق، وأي موارد أخرى يوافق عليها المجلس، وعوائد الأموال والودائع والتعهدات التي تقوم بها وفق القوانين والأنظمة النافذة.
ويعتمد الصندوق آلية حوكمة صارمة تقوم على الشفافية، من خلال تقديم تقارير ربع سنوية وسنوية إلى رئاسة الجمهورية، وخضوعه لتدقيق مالي من جهات مستقلة عن الصندوق، إلى جانب تطبيق أنظمة رقابة آنية.
الأموال المستردة
بينما يُعد الصندوق إحدى أهم أدوات الدولة في إنعاش الاقتصاد، فإنه يثير العديد من التساؤلات حول آليات عمله وحوكمة نشاطاته، في وقت تتواصل فيه تسويات مالية كبرى مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق.
وتشير التقديرات الأولية لحجم الأموال الكلية المستردة من قبل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع منذ تشكيلها في أيار من العام 2025 إلى مليارات الدولارات.
وكشفت مصادر مقربة من اللجنة لعنب بلدي، أنها استعادت من رجل الأعمال السوري محمد حمشو، من أصول وسيولة نقدية، ما قيمته حوالي 800 مليون دولار.
فيما صرح رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، باسل السويدان، أن معالجة الكسب غير المشروع لبعض الأفراد، مثل سامر فوز، تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت قطاعات صناعية وتجارية وخدمية ومصرفية، حيث جرى تحويل هذه الأصول والمبالغ المحصّلة إلى صندوق التنمية عبر الصندوق السيادي، لإدارتها واستثمارها بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ على قيمتها الإنتاجية.
الباحث الاقتصادي محمد علبي، ذكر لوسائل إعلام محلية، أن القيمة الإجمالية لحجم الأموال والأصول التي دخلت الصندوق السيادي نتيجة التسويات التي تجريها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار، إذا أُخذت بعين الاعتبار كل التسويات التي جرت خلال العام الماضي، لكن الرقم النهائي لا يزال غير معلن رسميًا.
لجنة مكافحة الكسب غير المشروع هي لجنة وطنية مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، أُحدثت بموجب القرار الرئاسي رقم “13” لعام 2025، لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال.
غياب المعلومات ومتطلبات الثقة والشفافية
يرى الباحث الاقتصادي أيمن الدسوقي، أن الثقة هي كلمة السر لتفعيل عمل الصندوق السيادي، تلك التي تُبنى من خلال إطار محوكم أساسه الشفافية والرقابة البرلمانية، وتنفيذ رؤية تنموية بأهداف قابلة للقياس تعتمد على التخطيط.
وأضاف الدسوقي لعنب بلدي، أن ذلك يستلزم استقطاب كوادر تكنوقراطية، والعمل بشكل وثيق مع القطاع الخاص السوري في الداخل والخارج، إلى جانب تنويع الاستثمارات مع التركيز على الأنشطة الإنتاجية بدلًا من الأنشطة الريعية.
الصندوق السيادي يعد أقوى مؤسسة اقتصادية حكومية وأكثرها ملاءة مالية، لكنه في الوقت ذاته يعتبر من أكثر المؤسسات الحكومية غموضًا، بحسب ما ذكره الباحث الاقتصادي كرم شعار عبر صفحته على “فيسبوك”.
وأضاف أنه حتى اليوم، لم يتم تعيين رئيس رسمي للصندوق، ولا تتوفر أي معلومات حول هيكل عملياته أو أقسامه، أو أصوله المالية وكيفية تخصيص الإنفاق، كما تظل علاقته بالوزارات الحكومية وموازنة الدولة غير واضحة.
وأضاف شعار أنه مضى عام على بدء عمل الصندوق وخمسة أشهر على إعلان تأسيسه، ورغم ذلك تبقى هذه المعلومات غائبة، واعتبر أن توفير هذه المعلومات هو مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه الشعب السوري.
تحديات هيكلية وإدارية
الصندوق السيادي يواجه عدة تحديات، وفق الباحث الدسوقي، من بينها غموض بنيته وآليات عمله حتى الآن، غير أنه لا توجد حتى الآن تقارير توضح آلية أو حجم الأصول والمبالغ المحولة، بالإضافة إلى نقص الكوادر التكنوقراطية القادرة على إدارة الصندوق وتفرعاته، إضافة إلى التشابك المؤسسي مع عدد من الصناديق واللجان ومؤسسات الدولة، التي لا تزال في طور إعادة الهيكلة وتفتقر إلى إطار تشريعي منضبط، ما قد يخلق فجوات تنظيمية أو مساحات احتكاك سلبية.
ولفت إلى أن هذه التحديات تتفاقم في ظل الإرث الاقتصادي القائم على الريعية والمُدار من قبل شبكات المحسوبيات غير الرسمية، فضلًا عن الدمار الكبير الذي لحق بالأصول الإنتاجية والبنى التحتية، وغياب الفائض المالي اللازم لدفع عجلة عمل الصندوق.
الهدف الأساسي للصناديق السيادية يتمثل في إدارة الأصول العامة بما يعزز النمو الاقتصادي ويؤمّن تحوطًا للمستقبل، وفقًا للباحث الدسوقي، مشيرًا إلى أن الصندوق السيادي النرويجي يعد النموذج الأبرز عالميًا من حيث قيمة أصوله التي تتجاوز تريليون دولار، فضلًا عن نظام الحوكمة القائم على الشفافية والإدارة المهنية والانضباط المالي والرقابة المؤسسية متعددة الطبقات.
وختم الدسوقي بالقول، إن حداثة تجربة كوادر الصندوق وضعف موارده يجعلان من الضروري استثمار أي مبادرات أو مشاريع قد تسهم في تعزيز قدراته المالية وحوكمته، مؤكدًا أهمية التعامل مع القطاع الخاص السوري في الداخل والخارج كشريك استراتيجي في عمل الصندوق السيادي.
الاستقلال الشكلي
صيغة الصندوق السيادي قانونيًا تمنحه استقلالًا شكليًا، لكنها في الوقت نفسه تركز سلطة الإنشاء والتعيين والإشراف داخل الدائرة التنفيذية نفسها، وهو ما يضعف التوازن المؤسسي والرقابة على إدارة المال العام، بحسب ما ذكرته المحامية في “البرنامج السوري للتطوير القانوني” آلاء يونس لعنب بلدي.
وتعد مبادئ “سانتياغو” المعايير الدولية الأكثر شيوعًا لحوكمة الصناديق السيادية، بحسب يونس، وهي 24 مبدأ وممارسة عامة تركز على الشفافية، والحوكمة الرشيدة، والمساءلة، والإفصاح المناسب، ووجود هيكل حوكمة واضح يوفر الضبط التشغيلي وإدارة المخاطر.
وبالمقارنة معها، فإن الصندوق السوري لا يبدو متوافقًا بصورة كافية، لأن المرسوم يجعل التقارير الربع سنوية والسنوية تُرفع إلى رئاسة الجمهورية، وينص على تدقيق مستقل عن الصندوق، لكنه لا يفرض إفصاحًا علنيًا منتظمًا للجمهور عن البيانات المالية والأصول والقرارات الاستثمارية، ولا يبيّن آلية رقابة خارجية مستقلة وواضحة على عمله، وفقًا للمحامية.
المخاطر القانونية
مع غياب الإفصاح العلني عن البيانات المالية والأصول، وفق المحامية يونس، تظهر مخاطر قانونية مباشرة تتمثل في صعوبة التحقق من مشروعية التصرف بالأموال العامة، وتعقيد تتبع مصادر التمويل والأصول المنقولة إلى الصندوق، وإضعاف القدرة على كشف تضارب المصالح أو إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بالغاية الاستثمارية.
ونوهت يونس إلى أن حصر التقارير داخل الرئاسة بدل نشرها على الملأ يحدّ من المساءلة العامة ويجعل أي مراجعة قانونية أو رقابية لاحقة أصعب، لأن المعلومات الأساسية التي تقوم عليها المحاسبة لا تكون متاحة أصلًا.
وأوضحت أن غموض هيكل الإدارة وعدم تعيين قيادة واضحة يرفع احتمالات الفساد، لأن المرسوم يكتفي برسم بنية عامة لمجلس الإدارة والمدير العام، ويترك التسمية بمرسوم لاحق، ويمنح المجلس صلاحيات ومرونة واسعة، مع ترجيح جانب الرئيس عند تساوي الأصوات.
في هذا النوع من الهياكل، بحسب ما قالته يونس، يصبح من السهل “تمييع” المسؤولية القانونية بين من يقرر ومن ينفذ ومن يراقب، وتزداد مخاطر المحاباة والتدخل السياسي في القرارات الاستثمارية والتعاقدية، خاصة عندما لا تكون حدود الاختصاص وآليات المساءلة منشورة بوضوح ومفعّلة مؤسسيًا.
وذكرت المحامية آلاء يونس أن أول خطوة قانونية عاجلة لتعزيز الثقة العامة هي تعديل الإطار الناظم للصندوق فورًا بحيث يُلزم بنشر تقارير مالية دورية علنية، وكشف الأصول والالتزامات ومصادر التمويل، وتحديد جهة رقابة خارجية مستقلة على أعماله، مع ضبط قواعد التعيين وتعارض المصالح بوضوح.
هذه الخطوة هي الأقرب عمليًا لردم الفجوة بين الصندوق السوري ومبادئ “سانتياغو”، لأنها تنقل الحوكمة من الرقابة الداخلية المحدودة إلى الشفافية القابلة للتحقق والمساءلة الفعلية أمام الجمهور والجهات الرقابية.





