وجدت نساء وفتيات مهاجرات وصلن إلى مدينة سبتة بحثاً عن الأمان أنفسهن أمام خطر جديد، بعدما سجلت المدينة خلال أقل من أسبوعين ما لا يقل عن تسع حالات اعتداء جنسي، في ظل ظروف إيواء صعبة واكتظاظ يفاقمان هشاشة الفئات الأكثر عرضة للعنف والاستغلال.
وتكشف هذه الوقائع عن الوجه الأكثر قسوة لأزمة الهجرة التي تشهدها سبتة، حيث لا تنتهي معاناة بعض النساء والفتيات بمجرد الوصول إلى المدينة، بل تبدأ مرحلة أخرى من الخوف في فضاءات تفتقر إلى شروط الحماية والأمان.
الاعتداءات الجنسية تتضاعف ثماني مرات
وأفادت معطيات رسمية صادرة عن المجلس العام للسلطة القضائية في إسبانيا بأن معدل الاعتداءات الجنسية المسجلة في سبتة ارتفع إلى مستويات تفوق المعدل المعتاد بنحو ثماني مرات، في تطور دفع السلطات القضائية إلى تمديد مهمة القاضي المكلف بمتابعة الملفات المرتبطة بالعنف القائم على النوع.
وبحسب ما أوردته صحيفة “إلموندو”، نقلاً عن مصادر أمنية وقضائية، فإن الضحايا المعروفات في نحو عشر قضايا سجلت خلال الفترة الأخيرة هن مهاجرات، من بينهن قاصرات.
ووصل عدد من الضحايا إلى المدينة خلال موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة في 30 يوليوز الماضي، في ظروف استثنائية زادت من هشاشة أوضاع المهاجرين، خصوصاً النساء والأطفال.
من الشوارع ومراكز الإيواء إلى البرلمان
ولم تبق تداعيات هذه الاعتداءات محصورة في الأجهزة الأمنية والقضائية، بل انتقلت إلى البرلمان الإسباني، في ظل تصاعد المطالب بتوضيح الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لحماية النساء والفتيات المهاجرات.
وأعلنت وزيرة المساواة الإسبانية، آنا ريدوندو، حضورها أمام مجلس النواب في 31 غشت الجاري لتقديم توضيحات بشأن ارتفاع الاعتداءات الجنسية والتدابير المتخذة لحماية الضحايا ومنع تكرار هذه الوقائع.
وجاء ذلك بعد طلب تقدم به الحزب الشعبي إلى اللجنة الدائمة لمجلس النواب، من أجل إلزام الوزيرة بالحضور، بعدما لم تكن مدرجة في البداية ضمن قائمة الوزراء المدعوين لمناقشة تداعيات أزمة سبتة.
ويطالب الحزب الشعبي وزارة المساواة بالكشف عن بروتوكولات الحماية التي جرى تفعيلها بتنسيق مع وزارة الداخلية، وتقديم معطيات دقيقة حول عدد الاعتداءات، فضلاً عن توضيح الإجراءات المتخذة لحماية النساء والقاصرات اللواتي يعشن في الشوارع أو داخل مراكز إيواء مكتظة.
قاصرات في قلب الأزمة
وتثير أوضاع القاصرات قلقاً خاصاً، بالنظر إلى هشاشتهن المزدوجة باعتبارهن مهاجرات وقاصرات في الوقت نفسه.
وقالت كارمن فونيس، نائبة الأمين العام للحزب الشعبي المكلفة بالصحة والسياسة الاجتماعية، إن نقل نحو 500 فتاة قاصر من سبتة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية يطرح تساؤلات حول حجم المخاطر التي كانت تواجههن داخل المدينة، معتبرة أن الحكومة لم تكشف جميع المعطيات المرتبطة بأوضاعهن.
وتضع هذه التصريحات السلطات أمام مسؤولية مضاعفة، لا تتعلق فقط بتوفير الإيواء، وإنما بضمان بيئة آمنة تمنع تعرض القاصرات والنساء للاستغلال أو العنف.
أكثر من 10 آلاف مهاجر في ظروف هشة
وتأتي الاعتداءات في سياق إنساني بالغ الصعوبة تعيشه سبتة، في ظل استمرار وجود أكثر من عشرة آلاف مهاجر، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، في ظروف إيواء مؤقتة وهشة.
ومع ارتفاع أعداد الوافدين، تحولت بعض الشواطئ والمخازن والمنشآت الرياضية إلى أماكن للنوم والإقامة، في وضع يعكس حجم الضغط الذي تواجهه المدينة وقدرتها المحدودة على توفير فضاءات مناسبة لجميع الموجودين فيها.
وتضاعف الاكتظاظ من المخاطر التي تواجه النساء والفتيات، خصوصاً في الأماكن التي تغيب فيها الخصوصية والمراقبة وشروط الحماية اللازمة.
ضغط متزايد على القطاع الصحي
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الإيواء والأمن، إذ تواجه المرافق الصحية بدورها ضغطاً متزايداً.
وبحسب أرقام قدمها الحزب الشعبي، ارتفع عدد المرضى الذين تستقبلهم المرافق الصحية في المدينة من حوالي 100 شخص يومياً في 30 يوليوز إلى أكثر من 500 حالياً، من دون احتساب التدخلات الطبية التي تتم مباشرة في الشواطئ.
وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الذي أحدثته موجة الهجرة على مختلف الخدمات العمومية في المدينة، في وقت تتداخل فيه الملفات الأمنية والصحية والاجتماعية والإنسانية.
أزمة سياسية خلف الأزمة الإنسانية
وفي الوقت الذي تتبادل فيه الحكومة والمعارضة الاتهامات بشأن المسؤولية عن طريقة تدبير أزمة سبتة، تجد النساء والفتيات المهاجرات أنفسهن في قلب أزمة تتجاوز الخلاف السياسي.
فبالنسبة إلى هؤلاء، لا يتعلق الأمر بأرقام أو سجالات حزبية، وإنما بالحاجة إلى مكان آمن، ورعاية صحية، وحماية قانونية، وضمانات تحول دون تعرضهن للعنف والاستغلال.
وبعض النساء اللواتي وصلن إلى سبتة بعد رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، أملاً في الوصول إلى منطقة أكثر أمناً، وجدن أنفسهن أمام شكل جديد من الخوف داخل المدينة نفسها.
وتكشف هذه الوقائع أن الوصول إلى الضفة الأخرى لا يعني بالضرورة نهاية رحلة المعاناة، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة.
سبعة وزراء أمام البرلمان
ومن المنتظر أن يمثل سبعة وزراء إسبان أمام مجلس النواب خلال الفترة الممتدة بين 25 و31 غشت الجاري، لتقديم توضيحات حول تدبير القطاعات الحكومية المختلفة لتداعيات الأزمة.
وتشمل قائمة المسؤولين المدعوين وزراء الدفاع والعدل والصحة والخارجية والداخلية والهجرة والطفولة، إضافة إلى وزيرة المساواة.
ومن شأن هذه المثول أمام البرلمان أن يضع الحكومة الإسبانية أمام اختبار سياسي وإنساني بشأن قدرتها على إدارة الأزمة، ليس فقط من زاوية ضبط الحدود والهجرة، وإنما أيضاً من زاوية حماية الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في وضعية هشاشة داخل المدينة.
وفي نهاية المطاف، فإن ارتفاع الاعتداءات الجنسية على النساء والفتيات المهاجرات في سبتة يضع قضية الحماية في صدارة الأزمة، ويطرح ضرورة التعامل مع الإيواء والأمن والرعاية الصحية باعتبارها منظومة واحدة، لا ملفات منفصلة.
فالمرأة التي قطعت طريقاً محفوفاً بالمخاطر بحثاً عن الأمان لا ينبغي أن تجد نفسها، بعد الوصول، مضطرة إلى مواجهة خطر جديد داخل فضاء يفترض أن يوفر لها الحماية.




