بعد مرسوم الديون المتعثرة.. هل ينجح إصلاح ملاءة المصارف بتحويل السيولة الجامدة إلى قروض إنتاجية؟
في خضم التحديات الاقتصادية التي تواجهها سوريا، تأتي قرارات السياسة النقدية والمصرفية بمنزلة اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إعادة هندسة المشهد المالي، وإحياء عصب الاقتصاد الوطني.
الدكتور عبدالرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة أكد ل”الوطن” أن إصدار الرئيس أحمد الشرع المرسوم الخاص بالديون المتعثرة يُعد خطوة استراتيجية بامتياز، تستهدف أحد أخطر الملفات التي تعوق عمل المصارف العامة وتُجمد مواردها، ألا وهو ملف الديون “الميتة”، فبينما تئن المصارف تحت وطأة تراكم محافظ الديون غير العاملة، يظل قطاع الأعمال والمواطنون عالقين في حلقة مفرغة من المديونية التي تفقد قيمتها بسبب الفوائد المتضخمة.
ونوه أستاذ المصارف إلى أن هذا المرسوم ليس مجرد إجراء تصحيحي، بل هو محاولة جادة لتحويل أزمة سيولة كامنة إلى محرك فاعل للائتمان، وإعادة توزيع المخاطر بشكل أكثر إنصافاً بين الممول والمقترض.

وفي تحليله لهذا المرسوم لفت إلى أنه ينعكس على ثلاث زوايا، لجهة تأثيره في رفع ملاءة المصارف، وعدالته في ظل الظروف التضخمية، وجدوى الآليات الزمنية الممنوحة للسداد.
وعن انعكاس تحصيل الديون المتعثرة على الملاءة المصرفية والقروض الإنتاجية، قال محمد: إن تقدير الديون المتعثرة بنحو 440 مليون دولار، التي ظلت لسنوات عالقة برهونات غير منتجة، يمثل حالة من الاختناق المالي للمصارف العامة.
وأشار إلى أنه من الناحية المصرفية، فإن هذه الديون كانت تُثقل كفاية رأس المال وتُضعف نسب السيولة، كما كانت تستهلك مخصصات كبيرة من أرباح المصارف، ما حدّ من قدرتها على منح ائتمانات جديدة.
وقال: عند تطبيق المرسوم، وتحديداً عبر إغراءات الإعفاء من الفوائد والغرامات، فإن المصارف ستبدأ باستعادة جزء كبير من أصل هذه الديون، وسيؤدي ذلك إلى تحسين نسبة الديون المتعثرة بشكل كبير، ما يعزز الميزانيات العمومية للمصارف أمام الجهات الرقابية، إضافة إلى تحرير المخصصات التي كانت محجوزة لتغطية المخاطر، ما يوفر مساحة مالية جديدة تُمكن المصارف من العودة إلى دورها الأساسي في الوساطة المالية، إلى جانب إعادة تدوير السيولة المالية التي ستعود إلى المصارف (حتى لو كانت جزءاً من أصل الدين) وتدخل في دائرة الإقراض من جديد.
أما بالنسبة لانعكاس ذلك على الاقتصاد الحقيقي، فقد رأى أستاذ الاقتصاد أن الرهان هنا على أن المصارف ستتجه بعد استعادة هذه الأموال إلى طرح قروض إنتاجية جديدة، مضيفاً: لكنني أتوقع أن هذا التحول لن يكون فورياً ما لم تُرافق المرسوم حوافز إضافية للمصارف لتمويل القطاعات الحقيقية (الصناعة، والزراعة، والطاقة)، بمعنى آخر، فإن تحصيل الديون “الميتة” شرط ضروري لكنه غير كافٍ لضخ الدماء في عروق الاقتصاد؛ إذ يجب أن تتبع ذلك سياسة ائتمانية توسعية موجهة، تضمن أن تذهب السيولة الجديدة نحو الإنتاج وليس الاستهلاك أو المضاربة.
عدالة الإعفاء وكفاية المهلة
وأوضح محمد أنه في ظل التضخم الكبير الذي شهدته سوريا، والذي أدى إلى تآكل حاد في القوة الشرائية للعملة المحلية، فإن إصرار البعض على تسوية الديون وفقاً للقيمة الاسمية القديمة مع إضافة فوائد مركّبة، كان سيشكل ظلماً مضاعفاً للمقترضين. لذلك، فإن الإعفاء من الفوائد والغرامات يمثل مبدأ عدالة إنشائية، حيث يُعيد التوازن بين طرفي العقد المالي الذي اختل بسبب الظروف القاهرة (الحرب، والعقوبات، والانهيار النقدي).
واعتبر محمد أن هذا الإعفاء يحقق ثلاثة أهداف، أولها إنصاف المقترض حسن النية والذي لم يتمكن من السداد بسبب تغير المعادلات الاقتصادية الكلية، وليس بسبب التعثر المتعمد، وتقليل الخسائر الفعلية بدلاً من التمسك بفوائد نظرية غير قابلة للتحصيل، تفضل الدولة الحصول على أصل الدين، وهو خيار اقتصادي أكثر عقلانية، إضافة إلى تحفيز التسوية الطوعية إذ يمثل الإعفاء حافزاً قوياً للمدينين لتسوية أوضاعهم، بدلاً من البقاء في دائرة الملاحقة القضائية أو التهرب.
أما بالنسبة للمهلة الممنوحة (3 إلى 6 أشهر)، فقد رأى محمد أنها تمثل تحدياً كبيراً لشريحة ذوي الدخل المحدود والعاملين في القطاع غير المنظم، ففي ظل انخفاض السيولة المتاحة للأسر السورية، فإن تجميع مبلغ قديم (مقوم بالدولار أو ما يعادله بالليرة السورية القديمة) خلال ستة أشهر قد يكون غير ممكن للكثيرين من دون اللجوء إلى الاقتراض بفائدة مرتفعة من السوق الموازية.
وقال: لذا، فإنني أرى حاجة ماسة لآليات تمويلية ميسرة، مثل منح خيارات تمويل طويلة الأجل عبر السماح للمقترضين محدودي الدخل بالحصول على قروض جديدة (صغيرة) من المصارف نفسها، تُخصص حصرياً لتسوية ديونهم المتعثرة، على أن تكون أقساطها متوافقة مع قدرتهم الاستيعابية، والتوسع في مفهوم التسوية الجزئية والسماح بتسوية الديون عبر دفعات ميسرة تمتد إلى ما بعد المهلة،
إلى جانب التنسيق مع صناديق الدعم الاجتماعي لتغطية شريحة العاجزين كلياً عن السداد، مع اعتبار ذلك استثماراً في استقرارهم الاجتماعي.
وختم محمد بالقول: يمثل المرسوم الخاص بالديون المتعثرة تحولاً في الفلسفة الاقتصادية من “منطق العقاب” إلى “منطق التسوية” في التعامل مع أزمات الائتمان، وهو قرار يحمل في طياته جرعة عالية من الواقعية، حيث يعترف ضمنياً بأن التمسك بالفوائد الاسمية في بيئة تضخمية هو وهم رياضي لا يؤدي إلا إلى تعطيل دورة رأس المال، وأن نجاح هذا المرسوم لن يُقاس بعدد الديون التي تم تحصيلها فحسب، بل بمدى قدرته على إعادة بناء الثقة بين المصارف والقطاع الخاص..
فالمصارف بحاجة إلى التخلص من عبء الديون “الميتة” لتعود مقرضاً فاعلًاً، كما أن القطاع الخاص بحاجة إلى فرصة ثانية ليصبح منتجاً مرة أخرى. ومع ذلك، أؤكد على أن المهلة القصيرة نسبياً قد تستثني الفئات الأكثر هشاشة من فرصة التعافي، ما لم تُرافق هذه الخطوة ببرامج تمويل مبتكرة تسهل عملية السداد، ويمكن اعتبار هذا المرسوم خطوة جراحية ضرورية، لكن النجاح الحقيقي سيتوقف على سرعة تفعيل المصارف لدورها في تمويل الإنتاج بالتزامن مع عملية التحصيل، لضمان أن المال الذي سيعود إلى الخزينة المصرفية لا يظل أسيراً للسيولة الجامدة، بل يتحول إلى استثمارات حقيقية تؤمن فرص عمل وتعيد عجلة الاقتصاد الوطني إلى دورانها الصحيح.



