بقلم/ عبد الفتاح الشريف
تبدو أزمة الكهرباء في ليبيا الغنية بالنفط واحدة من أكبر المفارقات إيلامًا بين الثروة والمعاناة، فمع كل صيف يتكرر مشهد طرح الأحمال وتعلو أصوات المولدات الخاصة وتزداد معاناة المواطنين مع انقطاع الكهرباء لساعات طويلة تجاوزت في بعض المناطق، بينما غرقت مناطق أخرى في إظلام كامل. وأمام موجة الغضب الشعبي لجأت الحكومة إلى تغيير إدارة الشركة العامة للكهرباء لامتصاص هذا الغضب في خطوة قد تحمل رسالة سياسية وإدارية، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تحسن حقيقي في المدى القصير.
فبالرغم من غياب القيادة الإدارية القادرة فإن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة أشخاص، بل أزمة منظومة كاملة تشمل التوليد والنقل والتوزيع والتحكم والصيانة والوقود والحوكمة، ولهذا فإن تغيير الإدارة، مهما كان ضروريًّا، لن يخفض ساعات طرح الأحمال إلى مستويات مقبولة خلال أسابيع أو أشهر، فالقدرة الكهربائية المتاحة لا تتحسن بقرار إداري، بل بعودة وحدات التوليد المتوقفة وتوفير الوقود وصيانة الشبكات وتقليل الفاقد وتحسين إدارة الأحمال.
كما أن الفجوة بين القدرة المركبة والقدرة المتاحة فعليًّا تمثل جوهر الأزمة لوجود جزء مهم من وحدات التوليد خارج الخدمة بسبب الأعطال أو نقص قطع الغيار أو تأخر عمليات الصيانة أو عدم انتظام إمدادات الوقود، وفي غياب البيانات الدقيقة والمحايدة عن جاهزية كل محطة ونسب الفاقد وحجم العجز الفعلي سيظل النقاش العام أسيرًا للتصريحات لا الحقائق.
إن الوضع الحالي يتطلب وبصفة عاجلة حلولًا إسعافية لا وعودًا عامة، قد يكون من ضمنها إيجار محطات عائمة وربطها بالشبكة في المناطق الساحلية ذات الاستهلاك العالي لإضافة قدرات سريعة تساعد في تقليل ساعات طرح الأحمال خلال الذروة الصيفية، وقد سبق للشركة تجربة هذا الحل في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن هذا الحل المؤقت غير اقتصادي لارتفاع تكلفته إذا ما قورن بالخيارات الدائمة بسبب ارتفاع تكلفة الوقود والتشغيل والصيانة، ولهذا يجب التعامل مع هذا الخيار كجسر مؤقت لا كبديل عن بناء منظومة كهربائية مستقرة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية معيار جديد في تقييم حلول الطاقة، وهو سرعة التنفيذ، فالمقارنة التقليدية بين تقنيات التوليد كانت غالبًا ما تركز على التكلفة، لكن مع تسارع نمو الطلب العالمي على الكهرباء أصبحت سرعة إضافة قدرات جديدة عاملًا حاسمًا، فمشاريع الطاقة الشمسية على مستوى الشبكة يمكن تنفيذها في أشهر إذا ما توفرت الأرض والتراخيص والربط، كما يمكن تركيب الأنظمة الشمسية فوق الأسطح خلال أيام أو أسابيع، وفي المقابل فإن محطات الغاز رغم أهميتها في توفير قدرة مستقرة تحتاج في العادة إلى عدة سنوات بسبب توريد التوربينات وأعمال الإنشاء والربط، وقد تتأثر أيضًا بطول قوائم الانتظار العالمية لتوريد المعدات.
وتتمتع ليبيا بميزة عملية في المدى القصير – المتوسط تمكنها من إطلاق برنامج واسع للطاقة الشمسية في المناطق ذات السطوع الشمسي العالي والقريبة من الشبكة العامة ومراكز الاستهلاك، حيث يمكن البدء بمشاريع شمسية متوسطة وكبيرة قرب المدن والأحمال الصناعية إضافة إلى تركيب منظومات شمسية فوق المباني الحكومية والمرافق العامة لتخفيف الضغط على الشبكة خلال ساعات النهار، وبالتالي فإن معدلات سطوع الشمس المرتفعة ومساحات الأرض الواسعة تجعل الطاقة الشمسية خيارًا طبيعيًّا لا ترفًا بيئيًّا.
كما ينبغي في المدى الطويل تطوير مزيج طاقة متوازن يجمع بين التوسع في محطات الطاقة الشمسية ومحطات الغاز ذات الدورة المركبة لبناء منظومة كهرباء مستقرة، حيث تخفض الشمس استهلاك الوقود في النهار وتوفر محطات الغاز المرونة والاستقرار عند المساء وفي أوقات الذروة.
إن حل أزمة الكهرباء يتطلب تحديث شبكات النقل والتوزيع وتطوير مراكز التحكم وتقليل الفاقد الفني وغير الفني وتركيب العدادات الذكية والإصلاح التدريجي لتعرفة الكهرباء بطريقة تراعي محدودي الدخل وتشجع على ترشيد الاستهلاك، كما يجب تفعيل الرقابة المستقلة ونشر تقارير دورية عن الإنتاج المتاح والعجز ونسب الإنجاز والتكلفة الفعلية للمشاريع.
والخلاصة أن ليبيا تحتاج إلى ثلاث سرعات متوازية تتمثل في الحلول الإسعافية لتقليل العتمة فورًا والحد منها ومشاريع شمسية سريعة التنفيذ واستثمارات طويلة الأجل في محطات غاز وشبكات حديثة، وعندها فقط يمكن أن تنتقل ليبيا من بلد يملك الشمس والغاز والمال، لكنه يعيش في الظلام، إلى بلد يحسن إدارة موارده وينير بيوت مواطنيه ومستقبلهم.
وفي ختام هذا المقال أؤكد على أهمية البدء في بناء مشاريع الطاقة الشمسية بما فيها المشاريع اللامركزية فوق أسطح المباني العامة، لأنها تضيف قدرة كهربائية في فترة قصيرة (أسابيع أو أشهر)، بالإضافة إلى أنها الأرخص، وفي بلد يعاني انقطاعات يومية فإن سرعة التنفيذ ليست تفصيلًا فنيًّا، بل عنصر أساسي في حماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
The post أزمة الكهرباء في ليبيا.. الحل الأسرع والأرخص appeared first on الموقف الليبي.


