... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
218107 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7367 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

إيطاليا... خيارات ميلوني بين تراجع شعبيتها وتداعيات "حرب إيران"

العالم
مجلة المجلة
2026/04/19 - 16:27 501 مشاهدة
إيطاليا... خيارات ميلوني بين تراجع شعبيتها وتداعيات "حرب إيران" layout Sun, 04/19/2026 - 17:27
أ ف ب

شكلت خسارة الاستفتاء حول إلغاء حصانة القضاة التي يضمنها الدستور ضربة موجعة لرئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني التي تسعى للعودة إلى الحكم في الانتخابات العام المقبل 2027، فيما تعيش إيطاليا مخاضا من حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران بين موقف ميلوني التي أيدت الحرب من دون تحفظ وموقف المعارضة التي شنت عليها هجوما قاسيا في البرلمان، ما أدى عمليا إلى عزلة أوروبية لإيطاليا. وهكذا دفعتها خسارة الاستفتاء إلى تعديل ولو جزئي في موقفها، أتبعته لاحقا بجولة على دول الخليج للاطلاع على الأوضاع عن قرب، والوقوف على وجهة نظر حكوماتها المعنية بشكل مباشر بالحرب كونها تعرضت لاعتداءات واستفزازات من قبل إيران.

ويبدو أن شهر العسل السياسي بين ميلوني وترمب شارف على النهاية بعد أن عبر الأخير عن صدمته لأنه كان يعتقد أن ميلوني شجاعة "ولكنني أخطأت"، واستطرد قائلا: "لا يهمها إذا كان لدى إيران سلاح نووي يمكنها من تدمير إيطاليا في دقيقتين". وقد جاء هذا الهجوم العنيف على أثر انتقاد ميلوني لترمب بسبب تهجمه على قداسة البابا الذي انتقد الحرب وطالب بالحوار، ليرد ترمب قائلا إن ليون الرابع عشر لم يكن مطروحا للبابوية ولكنه انتخب فقط لأنه أميركي الجنسية.

التقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 17 أبريل 2025

غير أن هذا السجال شكّل على الأرجح فرصة لرئيسة الحكومة كي تعيد النظر بعلاقتها القريبة جدا من ترمب انطلاقا من حدثين مهمين، أولهما خسارتها الأولى خلال ترؤسها الحكومة للاستفتاء (22/3/2026) وثانيهما خسارة حليفها فيكتور أوربان رئيس حكومة المجر الانتخابات التي جرت الأحد 12 أبريل/نيسان، ما شكل جرس إنذار لها على صعيد شعبيتها في الداخل وقيام المعارضة الإيطالية بتوحيد صفوفها لانتزاع رئاسة الحكومة منها في الانتخابات القادمة في سبتمبر/أيلول 2027 وهذا ما بدأت تؤكده استطلاعات الرأي.

وقد تزامن تراجع ميلوني عن تقربها من ترمب بقيامها بتعديل موقفها الثلاثاء 14 أبريل تجاه الحرب الأميركية-الإيرانية، موجهة سهامها نحو إسرائيل التي تربطها بإيطاليا علاقات جيدة، إذ أعلنت "تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع معها لأن المسألة سياسيا أصبحت صعبة". وقد تم التوقيع على هذا الاتفاق قبل عشرين سنة (2006)، وينص على التعاون بين البلدين في مجال الصناعات الدفاعية والأبحاث والتكنولوجيا المعلوماتية وتدريب العسكريين. وكانت المعارضة الإيطالية تطالب منذ أشهر بتعليق تجديد هذا الاتفاق.

غير أن ما دفع ميلوني إلى اتخاذ هذه الخطوة هو التوتر الذي تصاعد بين إيطاليا وإسرائيل وبالأخص على الصعيد الإيطالي الداخلي، بعد أن قامت القوات الإسرائيلية بإطلاق النار على قافلة جنود إيطاليين تابعين لقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان، ونتج عن ذلك استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج. ثم أرسلت وزير خارجيتها أنطونيو تاياني، إلى بيروت ليعلن من هناك أن "الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في لبنان غير مقبولة"، واستفزّ إسرائيل بالقول: "يجب تجنب تكرار ما حدث في غزة".

هل يطيح فشل الاستفتاء "القضائي" برئيسة الحكومة الإيطالية؟
19 أبريل , 2026

شكل الاستفتاء حول إلغاء حصانة القضاة الذي نظم في 22 مارس الماضي أول هزيمة لزعيمة حزب "إخوة إيطاليا" التي تترأس الحكومة منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة

غير أن ميلوني استمرّت في اتخاذ مسافة من أميركا وإسرائيل بإعلانها المشاركة في مؤتمر مع فرنسا وألمانيا وإنكلترا حول حماية عبور مضيق هرمز واستقبالها الاثنين الماضي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وقد شكل الاستفتاء حول إلغاء حصانة القضاة الذي نظم في 22 مارس/آذار الماضي أول هزيمة لزعيمة حزب "إخوة إيطاليا" التي تترأس الحكومة منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة (22 أكتوبر/تشرين الأول 2022)، بحصول المؤيدين (نعم) على نحو 46 في المئة مقابل المعارضين (لا) على نحو 54 في المئة. وهي هزيمة غير متوقعة لرئيسة الحكومة وللقوى المتحالفة معها، وهي مجموعة أحزاب يمينية مثل حزب رئيس الوزراء الراحل سلفيو بيرلسكوني مؤسس وزعيم حزب "إيطاليا إلى الأمام" لثلاثة عقود، وصاحب فريق ميلان لكرة القدم الشهير، والذي يتزعمه اليوم وزير الخارجية الحالي أنطونيو تاياني، وحزب "الرابطة"- الذي يدعو إلى انفصال شمال إيطاليا (المتطور) عن جنوبها (المتخلف)- الذي يتزعمه ماتيو سالفيني. بالإضافة إلى مجموعات صغيرة وبقايا يمينية فاشية من أصدقاء أو زملاء سابقين لميلوني التي كانت على رأس شبيبة الحزب ذي الأصول الفاشية "التحالف الوطني"، ثم دخلت البرلمان عن ذلك الحزب لأول مرة عام 2006 ثم انتقلت إلى حزب بيرلسكوني قبل أن تشارك عام 2012 في تأسيس حزبها الذي تتزعمه حاليا، كما أنها كانت قد حصلت خلال حكمها على أكثرية في انتخابات المقاطعات والبلديات وكذلك في الانتخابات الأوروبية.

وقد عزز تفوقها هذا ضمور وضع الأحزاب الأخرى الوسطية واليسارية التي سجلت تراجعا مخيفا في شعبيتها نتيجة فشلها في معالجة الأزمات والمشاكل التي كانت تتخبط بها إيطاليا وتحديدا الاقتصادية والمعيشية، وعدم قدرتها في الوقت نفسه على طرح بديل سياسي يمكن تسويقه لدى الإيطاليين الذين اعتادوا على حياة سياسية ديناميكية وتفاعل سياسي غني ومتنوع طوال عشرات السنين منذ سقوط الفاشية وترسيخ النظام الديمقراطي التعددي والذي كان يمتاز بصراع سياسي وفكري كانت تعبر عنه مجموعة من الأحزاب بدءا من "الحزب الشيوعي الإيطالي" صاحب الشعبية الواسعة الذي عرف ببرغماتيته وانفتاحه وعدم جموده العقائدي واجتراحه فكرة ونهج "الشيوعية الأوروبية" التي تركز على الابتعاد عن خط الاتحاد السوفياتي السابق.

صاحب الفكرة والنهج كان أمين عام الحزب المجدد إنريكو بيرلينغوير الذي كان وراء قيام هذا التجمع، والذي ضم الأحزاب الشيوعية في إيطاليا، وفرنسا (جورج مارشيه) وإسبانيا (سانتياغو كاريللو). والحزب الثاني الفاعل في الحياة السياسية الإيطالية كان "الحزب الاشتراكي الإيطالي" الذي تزعمه يومها بتينو كراكسي، والذي تألق منه ساندرو بيرتيني الذي أصبح عام 1978 رئيسا للجمهورية، و"الحزب الديمقراطي المسيحي" الذي كان الأكثر شعبية وسيطر على الحكم في إيطاليا مباشرة بعد سقوط الفاشية، واستمر في الحكم لعشرات السنين، ومن زعمائه وأحد رؤساء حكوماته ألدو مورو الذي خطفه عام 1978 وقتله تنظيم "الألوية الحمراء".

وكان مورو قد تجرأ على عقد تفاهم مع "الحزب الشيوعي" بهدف إشراكه لأول مرة في الحكومة بعد أن حقق "الحزب الشيوعي" في انتخابات عام 1976 فوزا تاريخيا بحصوله على 33 في المئة من الأصوات، وربما لهذا السبب تم اغتياله. هل كان وراء العملية المخابرات الأميركية أم تلك السوفياتية؟ ثم يأتي "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" و"الحزب الجمهوري" و"الحزب الليبرالي"، فيما بقي "حزب الحركة الاجتماعية- اليمين الوطني" وريث الحركة الفاشية، معزولا وعلى هامش الحياة السياسية، إذ لم يتم إشراكه في أي حكومة لعشرات السنين إلى أن تحول في منتصف التسعينات إلى "حزب التحالف الوطني" بقيادة جانفرنكو فيني الذي فيه نشأت ومنه ظهرت رئيسة الحكومة الحالية.

كان وضع ميلوني سواء على رأس الحكومة أو على الصعيد السياسي العام أشبه بـ"النائم على حرير"، ولم تلق أي معارضة جدية لا سياسية ولا في الشارع

كان وضع ميلوني سواء على رأس الحكومة أو على الصعيد السياسي العام أشبه بـ"النائم على حرير"، ولم تلق أي معارضة جدية لا سياسية ولا في الشارع. وربما بدافع النشوة والاطمئنان إلى حال الحكم، تجرأت ميلوني على تغيير بعض المواد في الدستور الخاصة بعمل القضاة، وجاءت النتيجة بمثابة مس بـ"المقدسات" بالنسبة للإيطاليين الذين شكل الاستفتاء ما يشبه التحدي بالنسبة لهم، والذين يعتبر كثيرون منهم أنهم ضحوا وناضلوا من أجل سيادة القانون وإحقاق الحق والعدل واحترام حرية المواطن، ورفض الأنظمة والأحكام الفاشية والقمعية، التي تبين أنها ما زالت تلقى معارضة واسعة عند الإيطاليين، ربما لكره الكثير منهم أيضا التسلط والانفراد في الحكم الذي نبذه الإيطاليون منذ منتصف الأربعينات، علما أن "الحزب الديمقراطي المسيحي"، صاحب الشعبية في الأوساط المسيحية الكاثوليكية، والذي لم يعد موجودا اليوم، لم يمارس يوما الحكم بمفرده رغم حصوله الدائم على أكثرية المقاعد في البرلمان، وكانت كل الحكومات تقوم على ائتلاف بين أكثر من حزب، كما أنه معروف عن الحكومات الإيطالية أنها لم تكن تدوم أكثر من سنة ونصف السنة، علما أن حالة من التصحر في الحياة السياسية الإيطالية بدأت تسيطر بعد أن نخر الفساد المؤسسات والأحزاب الإيطالية كافة، عندما انفجرت في بداية التسعينات فضيحة الرشاوى التي طالت أكثرية الأحزاب التي شاركت في السلطة بشكل أو بآخر بدءا بـ"الحزب الديمقراطي المسيحي" نفسه، كذلك "الحزب الاشتراكي" الذي طال الفساد زعيمه بتينو كراكسي الذي اضطر إلى مغادرة إيطاليا بعد صدور حكم بالسجن عليه، والتجأ إلى تونس لسنوات طويلة ثم توفي هناك.

محورية "القضاء"

تلك الفضائح كشفها مجموعة من القضاة في مدينة ميلانو عندما وضعوا يدهم على فضيحة رشاوى في مأوى للعجزة في المدينة وكرّت السبحة. وأمسك هؤلاء القضاة بالخيط الذي أوصلهم إلى عدد من القيادات ومسؤولي الحزبين الرئيسين وآخرين من الأحزاب الأصغر. وفي أول انتخابات لاحقة شهدت نزول رجل الأعمال بيرلسكوني إلى الساحة ليؤسس حزبا معظمه من مشجعي فريق كرة القدم الذي كان يملكه ويخوض الانتخابات من أجل تعويض خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له "الحزب الاشتراكي" تحديدا، وكانت المفاجأة فوزه بتلك الانتخابات ما عكس نقمة وغضب الناس ويأسها من الطبقة السياسية. وقد ترجم ذلك عمليا خلال السنوات اللاحقة باضمحلال تلك الأحزاب وانتهائها بشكل كلي وكامل، ودخلت الحياة السياسية بفراغ سياسي وثقافي فاقع ما مهد الأجواء لأفكار وميول شعبوية وفوضوية تقوم على نبذ السياسة وتؤسس لأحزاب وتيارات سياسية جديدة مثل "حركة الخمس نجوم" التي أسسها ممثل كوميدي والتي حلت أولا في أول انتخابات شاركت فيها عام 2013 وسجلت نحو 30 في المئة من الأصوات فيما عزز الواقع المتغير والمتحول أحزاب وحركات يمينية مثل "رابطة الشمال" الانفصالية وكذلك حركة بيرلسكوني "إيطاليا إلى الأمام".

أما ميلوني فقد شاركت في تأسيس "إخوة إيطاليا" ثم ترأسته عام 2014 كوريثة للحركة الفاشية، ولكنها ظلت حركة هامشية في الحياة السياسية الإيطالية لم يتجاوز حجمها 4 في المئة على مدى عشر سنوات إلى أن سجلت بفوزها مفاجأة للجميع وحققت قفزة نوعية طالت 24 في المئة من الأصوات متخطية الحزب الأول الديمقراطي (الشيوعي السابق) بنحو 2 في المئة لتصبح الحزب الأول في البانوراما الإيطالية عام 2022 ما أهّلها لترؤس أول حكومة إيطالية منذ ثلاث سنوات ونصف السنة وتتحضر لفوز ثان في انتخابات 2027. واستفادت ميلوني من الإحباط الذي كان سائدا بين الإيطاليين الذين كانوا مسيسين بكثافة، وبالأخص انتماءهم إلى الأحزاب في الفترة ما بين السبعينات والتسعينات عندما كان الصراع على أشده بين "الحزب الديمقراطي المسيحي" و"الحزب الشيوعي" اللذين تساويا في الأصوات عام 1976 بحصول كل منهما على 33 في المئة من الأصوات.

أسباب هذا التراجع واليأس كثيرة، أهمها التجاذب الطويل الذي ميز حقبة طويلة بين الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة لعشرات السنين في التنافس على الصعيد الدولي وكذلك السيطرة على السياسة الإيطالية ما أدى إلى إغلاق الطريق أمام مشاركة "الحزب الشيوعي" في السلطة، حتى عندما أصبح الحزب الأول عام 1976 نتيجة الحصار السياسي الداخلي والذي عانى منه لدرجة أنه تم اغتيال الدو مورو لمجرد سعيه لاتفاق مع الشيوعيين كما ذكر أعلاه. كما أن وزن الكنيسة الكاثوليكية وتأثير الفاتيكان وثقله في الواقع السياسي والحياة الاجتماعية جعل كثيرا من الإيطاليين محافظين في خياراتهم السياسية، ناهيك عن التعدد والتنوع في الواقع السياسي الإيطالي بين يسار ويمين ووسط، ما ساهم في تأجيج الصراع على السلطة، وأدى إلى قيام حكومات ترتكز على توازنات حساسة طبعت الوضع السياسي منذ هزيمة الفاشية عام 1945 وقيام الديمقراطية والتعددية الحزبية.

استفادت ميلوني منذ فوزها في الانتخابات وترؤسها الحكومة من غزو روسيا لأوكرانيا الذي حصل قبل وصولها بستة أشهر، والذي استقطب اهتمامات الدول الأوروبية كافة والولايات المتحدة بشكل أساسي

إن ما ساعد رئيسة الحكومة في الهيمنة على الوضع السياسي طيلة السنوات الثلاث ليس نجاعة خياراتها السياسية وتصديها للمشاكل الاقتصادية وإنما عجز المعارضة عن استنباط سياسات بديلة لانشغالها في الصراعات فيما بينها أولا وفي الصراعات داخل كل حزب أو حركة منها ثانيا، فـ"الحزب الديمقراطي" وريث "الشيوعي" عاش مرحلة مخاض داخلي بين تياراته المتعددة اليسارية والكاثوليكية والعلمانية دفعه إلى تغيير قيادته وزعيمه أكثر من مرة، والذي انتهى إلى اختيار عام 2023 سيدة شابة تدعى إيللي شلاين (38 سنة) حاولت إعادة تنظيم الحزب وتموضعه وتمكن من استعادة السيطرة على بعض مجالس المقاطعات والبلديات، في الانتخابات الأخيرة ودخل الآن في عملية حوار مع "حركة النجوم الخمس" التي لم تعد تحظى بأكثر من 15 في المئة من الأصوات والتي باتت اليوم أقرب إلى اليسار من أجل التنسيق وتوحيد المواقف في مواجهة ميلوني وحكومتها والتحضير للانتخابات النيابية المقبلة.

أ ف ب
رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تلوح للمؤيدين في نهاية اجتماع حملة حزب "إخوة إيطاليا" (Fratelli d'Italia) (Fdi) اليميني الإيطالي لدعم استفتاء "نعم" للعدالة، في ميلانو في 12 مارس 2026

كما أن "النجوم الخمس" قد تعرضت هي الأخرى لعملية مخاض داخلي باتجاه إعادة تنظيمها كحزب ما دفع بمؤسسها الكوميدي بيبي غريللو إلى ترك القيادة لرئيس حكومة سابق هو جوزيبي كونتي الذي كان في الأساس استاذاً جامعيا جيء به على رأس حكومة ائتلافية في يونيو/حزيران 2018 جمعت بين عدد من الأحزاب اليمينية واليسارية، ليصبح بعدها سياسيا محترفا. ويسعى الحزبان إلى توسيع التحالف من أجل تشكيل جبهة معارضة تضم أيضا بعض الأحزاب والحركات الصغيرة التي تلتقي حول ضرورة إسقاط الحكومة اليمينية الحالية.

وقد استفادت ميلوني منذ فوزها في الانتخابات وترؤسها الحكومة من غزو روسيا لأوكرانيا الذي حصل قبل وصولها بستة أشهر (24 فبراير/شباط 2022) والذي استقطب اهتمامات الدول الأوروبية كافة والولايات المتحدة بشكل أساسي، وبطبيعة الحال دعمت رئيسة الحكومة الإيطالية الجديدة أوكرانيا ودانت الغزو الروسي وركزت اهتماماتها على كييف وقامت بأول زيارة لها بعد ثلاثة أشهر على تشكيل الحكومة، منسجمة مع الموقف الأميركي، سواء في عهد جو بايدن أو مع رياسة دونالد ترمب الذي أبدت انسجاما واضحا معه، وقامت باكرا بزيارة لواشنطن وأظهرت إعجابا بالرئيس الأميركي الجديد، وأعادت الكرة خلال أشهر ما دفعها إلى نسج علاقة ود مع ترمب.

وقد حرصت ميلوني على إظهار تأييدها له حتى عندما بدأ يمارس حملته بفرض رسوم جديدة ومرتفعة على كثير من الدول، ويعبر عن عدم إعجابه على سبيل المثال بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون… إلا أنه بدأ يشكل إحراجا لها عندما فتح حوارا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وراح يمارس الضغوط على الرئيس الأوكراني، وأخيرا عندما بدأت المواجهة مع إيران راح ترمب بوجه انتقادات لدول الاتحاد الأوروبي الذين لم يتجاوبوا معه ووجه انتقادا لهم بخضور ميلوني التي لم تحرك ساكنا. لكن هذا التصرف لم يرُق لمعظم الأحزاب والقوى الإيطالية، وقد شكل أيضا إحراجا للأحزاب اليمينية المتحالفة مع ميلوني في الحكومة أي حزب بيرلسكوني وحزب "الرابطة" الانفصالي، إذ إن الشعور القومي الإيطالي يبقى الطابع الغالب لدى كثير من الإيطاليين بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية.

أما العامل الثاني والأهم فهو الاعتقاد الخاطئ بإمكان إدخال تعديل على الدستور بما يخص صلاحيات السلطة القضائية، على اعتبار أن استقلالية القضاء لا تعني كثيرا جمهورها اليميني والبعض منه الذي لا يزال ربما يحن إلى الزمن الفاشي. ورغم كل محاولات رجال الفكر والدستوريين المخضرمين ونصائحهم بالتراجع عن الخطوة إلا أنها أصرت وبتشجيع من الحلفاء على المضي بالاستفتاء، وهكذا شكلت النتيجة أول صدمة لها خلال سنوات رئاستها للحكومة.

ما يزيد الطين بلة أن كل الوزراء الذين تحاول ميلوني استعمالهم ككبش محرقة ينتمون إلى حزبها أو محسوبين عليها ما أدى إلى تململ وسط جمهورها ولدى حلفائها

وفي استطلاع للرأي جديد أجري الخميس 2 أبريل حول توجهات الناخبين، حافظ حزب "إخوة إيطاليا" فيه على مركزه الأول بحصوله على 28 في المئة من الأصوات، وإن بخسارة نقطتين مقابل تدني شعبية حلفاء رئيسة الحكومة، إذ يحصل حزب بيرلسكوني على نسبة متدنية بلغت 4.7 في المئة مقابل هبوط لافت لـ"الرابطة" التي حصلت على 5.6 في المئة.

غيتي

أما بالنسبة لشعبية ميلوني كرئيسة حكومة فقد حصلت على 51 في المئة مقابل حصول منافستها زعيمة "الحزب الديمقراطي" شلاين على 45.5 في المئة، أما المفاجأة الأهم فجاءت من عمدة مدينة جنوا، أي رئيسة بلديتها سلفيا ساليس (40 سنة) وهي مستقلة لا تنتمي إلى أي حزب، لكنها تميل إلى اليسار وتترشح لأول مرة، وتهزم مرشح اليمين المحافظ، والتي حصلت على 49 في المئة، ما جعل منها منافسة حقيقية لمليوني، فيما حافظ "الحزب الديمقراطي" على شعبيته بنسبة 22.5 وحركة "الخمس نجوم" على 13 في المئة، ما يوكّد وجود بوادر تغير في الرأي العام الإيطالي. فهل النموذج الذي مكّن ساليس من الفوز، أي تحالف يسار الوسط والمستقلين، بإمكانه أن يشكل خطرا على زعيمة "إخوة إيطاليا"؟

الحرب على إيران وزيارة دول الخليج

كل هذه التغيرات والتطورات المحلية والخليجية الشرق أوسطية دفعت ميلوني إلى استدراك الوضع من أجل محاولة استعادة التأييد والحد من التراجع في الشعبية، وأول خطوة كانت باتجاه موضوع الساعة أي موقف "حيادي" أوروبيا وضد الحرب في الخليج ملاقاة لأكثرية الرأي العام وبإعلان إيطاليا رفضها أن تستخدم طائرات أميركية قاعدة تابعة لها خلال توجهها إلى الشرق الأوسط، ثم تحول مع الوقت إلى موقف أقرب إلى ما يطرحه الرئيس الأميركي بإعلان الاتحاد الأوروبي وأمين عام الأطلسي استعدادهما للمشاركة في تأمين الملاحة والحماية للبواخر التي تعبر مضيق هرمز الذي هو ممر دولي تستفيد منه الدول الأوروبية أكثر من الولايات المتحدة. ويوم الجمعة في الثالث من أبريل توجهت رئيسة الحكومة في جولة إلى دول الخليج شملت السعودية وقطر والإمارات العربية لبحث مسألة التنسيق مع هذه الدول ومؤازرتها بشأن العدوان الذي تتعرض له من قبل إيران، ولكن الهدف الأساسي هو السعي لتأمين التزود بالنفط والغاز بعد ارتفاع الأسعار عقب إغلاق المضيق، ومحاولة ترمب جر الدول الأوروبية إلى المواجهة مع إيران لتأمين حرية حركة الملاحة والمرور عبر المضيق. وقد بدت خطوة ميلوني إيطاليا بمثابة محاولة للهروب إلى الأمام عبر التضامن مع السعودية ودول الخليج مقابل تأمين النفط بأسعار معقولة.

غير أن ورطة ميلوني داخلية في الأساس وتبدو أصعب وأكثر تعقيدا، إذ إن عليها مواجهة 15 مليون إيطالي صوتوا ضد ما طلبته في الاستفتاء الأخير أي نحو ثلث الناخبين الإيطاليين (أكثر قليلا من 45 مليونا)، وهي خطوة لم يجرؤ عليها أي حزب أو زعيم سياسي إيطالي منذ إعلان الجمهورية في يونيو/حزيران 1946 أي محاولة تعديل الدستور الذي رافق إقراره الاستفتاء على الجمهورية. وقد ظهر هذا التخبط في لجوء ميلوني إلى إقالة ثلاثة وزراء ونواب وزراء بعد خسارة الاستفتاء علما أنهم وزراء لحقائب غير ذات تأثير في الاستفتاء وفي الوضع السياسي والرأي العام كوزيرة السياحة على سبيل المثال، فيما تبدو في حيرة أمام مشكلة وزير الداخلية الذي أحرج الحكومة نتيجة اكتشاف تورط ابنه في شراكة وأعمال تجارية مع أحد الأشخاص المرتبطين بعصابة مافيا وأصبح حديث كل الإيطاليين.

وما يزيد الطين بلة أن كل هؤلاء الوزراء الذين تحاول ميلوني استعمالهم ككبش محرقة ينتمون إلى حزبها أو محسوبين عليها ما أدى إلى تململ وسط جمهورها ولدى حلفائها، علما بأنهم ليسوا في وضع سياسي وشعبي أفضل منها، إذ إن استطلاعات الرأي تعطي كلا منهم أقل من عشرة في المئة بثلاث أو أربع نقاط، كما أن حزب بيرلسكوني مهدد بالانفراط نتيحة عدم حماسة أفراد عائلته الذين يمولون الحزب للاستمرار على الساحة السياسية، مقابل تفريخ تيار أكثر يمينية من "الرابطة" الانفصالي، وحتى من "إخوة إيطاليا" حزب ميلوني، والذي بدأ يشكل منافسا على يمينها، فيما تسعى هي لإظهار وجه ونمط معتدل أمام الإيطاليين الذين لم ينفع معهم كثيرا التقرب من رئيس الولايات المتحدة "المحارب" الذي أعلن عند عودته إلى البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أنه رجل سلام ولا يريد حروبا في العالم ورافع شعار "السلام بالقوة".

إن ما يشغل بال الإيطاليين ويؤرقهم اليوم هو تأمين مستلزمات حياتهم اليومية والمعيشية من أسعار المأكولات إلى أسعار الطاقة للتنقل والتدفئة، إلى القدرة على الطبابة والاستشفاء، مرورا بالسياحة والسفر، ناهيك عن عدم المس بحرية الرأي والحرية الشخصية، وانتهاء بممارسة هوايتهم المفضلة أي حضور مباراة كرة القدم في نهاية كل أسبوع. وقد بدأ عدد من إيطاليي العاصمة روما والمدن الأخرى في التوجه إلى الجبال والأرياف من أجل التوفير في استهلاك الطاقة سواء في التنقل أو للتدفئة بعد أن زادت أربعة أضعاف أسعار البنزين والطاقة. كما أنه تقرر التقنين في تزويد الطائرات في مطار روما من البنزين.

لا يمكن لجورجيا ميلوني إذا أرادت أن تفوز في الانتخابات القادمة في خريف 2027 أن تتجاهل أكثرية إيطالية تعارض الحرب كما في معظم أوروبا

إن ما تحاول ميلوني القيام به لا يلقى على ما يبدو استحسانا لدى الإيطاليين خاصة أنها تتحرك كما يقال "من خارج الصحن"، إذ ينظرون إلى جولتها في الخليج على أنها تصرف أحادي وفردي لأن الحرب مع إيران والاعتداء على دول الخليج تتم معالجتها جماعيا من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وليس من قبل كل دولة بمفردها، كما أن ترمب يسعى لزرع الشقاق بين الدول الأوروبية وإضعافها عبر تهديدها بضرورة المشاركة في الحرب أو بانسحاب أميركا من حلف "الناتو"، ويحاول ابتزازها عبر زيادة الرسوم الجمركية، كما أن القيام بحصار مضيق هرمز أو ضرب محطات النفط الإيرانية من شأنه أن يلحق ضررا باقتصاديات الدول الأوروبية، كونها هي المستفيد الأول من مضيق هرمز فيما تستفيد منه الولايات المتحدة لا يتخطى الواحد في المئة، لذلك كان موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو المطالبة بحل دبلوماسي وليس عسكريا وبالتنسيق مع إنكلترا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية.

لا يمكن لجورجيا ميلوني إذا أرادت أن تفوز في الانتخابات القادمة في خريف 2027 والعودة مجددا إلى "بالاتسيو كيجي"- مقر رئاسة الحكومة في روما- أن تتجاهل أكثرية إيطالية تعارض الحرب كما في معظم أوروبا، مثلما فعلت الآن بالعودة إلى الحضن الأوروبي والتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن إيطاليا كانت ضمن مؤسسيه وواحدة من الدول الست التي وقعت عام 1957 في روما على قيام المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ثم فيما بعد بتوقيع في نوفمبر عام 1993 معاهدة ماستريخت (هولندا) عندما تحولت إلى الاتحاد الأوروبي ومقره بروكسل. فهل تستطيع ميلوني تكريس مفارقة تولي أول امرأة قادمة من اليمين المتطرف رئاسة الحكومة في تاريخ إيطاليا أم ينتقل المنصب إلى امرأة يسارية من شمال إيطاليا؟

19 أبريل , 2026
story cover
Off
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤