غير أن ميلوني استمرّت في اتخاذ مسافة من أميركا وإسرائيل بإعلانها المشاركة في مؤتمر مع فرنسا وألمانيا وإنكلترا حول حماية عبور مضيق هرمز واستقبالها الاثنين الماضي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وقد شكل الاستفتاء حول إلغاء حصانة القضاة الذي نظم في 22 مارس/آذار الماضي أول هزيمة لزعيمة حزب "إخوة إيطاليا" التي تترأس الحكومة منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة (22 أكتوبر/تشرين الأول 2022)، بحصول المؤيدين (نعم) على نحو 46 في المئة مقابل المعارضين (لا) على نحو 54 في المئة. وهي هزيمة غير متوقعة لرئيسة الحكومة وللقوى المتحالفة معها، وهي مجموعة أحزاب يمينية مثل حزب رئيس الوزراء الراحل سلفيو بيرلسكوني مؤسس وزعيم حزب "إيطاليا إلى الأمام" لثلاثة عقود، وصاحب فريق ميلان لكرة القدم الشهير، والذي يتزعمه اليوم وزير الخارجية الحالي أنطونيو تاياني، وحزب "الرابطة"- الذي يدعو إلى انفصال شمال إيطاليا (المتطور) عن جنوبها (المتخلف)- الذي يتزعمه ماتيو سالفيني. بالإضافة إلى مجموعات صغيرة وبقايا يمينية فاشية من أصدقاء أو زملاء سابقين لميلوني التي كانت على رأس شبيبة الحزب ذي الأصول الفاشية "التحالف الوطني"، ثم دخلت البرلمان عن ذلك الحزب لأول مرة عام 2006 ثم انتقلت إلى حزب بيرلسكوني قبل أن تشارك عام 2012 في تأسيس حزبها الذي تتزعمه حاليا، كما أنها كانت قد حصلت خلال حكمها على أكثرية في انتخابات المقاطعات والبلديات وكذلك في الانتخابات الأوروبية.
وقد عزز تفوقها هذا ضمور وضع الأحزاب الأخرى الوسطية واليسارية التي سجلت تراجعا مخيفا في شعبيتها نتيجة فشلها في معالجة الأزمات والمشاكل التي كانت تتخبط بها إيطاليا وتحديدا الاقتصادية والمعيشية، وعدم قدرتها في الوقت نفسه على طرح بديل سياسي يمكن تسويقه لدى الإيطاليين الذين اعتادوا على حياة سياسية ديناميكية وتفاعل سياسي غني ومتنوع طوال عشرات السنين منذ سقوط الفاشية وترسيخ النظام الديمقراطي التعددي والذي كان يمتاز بصراع سياسي وفكري كانت تعبر عنه مجموعة من الأحزاب بدءا من "الحزب الشيوعي الإيطالي" صاحب الشعبية الواسعة الذي عرف ببرغماتيته وانفتاحه وعدم جموده العقائدي واجتراحه فكرة ونهج "الشيوعية الأوروبية" التي تركز على الابتعاد عن خط الاتحاد السوفياتي السابق.
صاحب الفكرة والنهج كان أمين عام الحزب المجدد إنريكو بيرلينغوير الذي كان وراء قيام هذا التجمع، والذي ضم الأحزاب الشيوعية في إيطاليا، وفرنسا (جورج مارشيه) وإسبانيا (سانتياغو كاريللو). والحزب الثاني الفاعل في الحياة السياسية الإيطالية كان "الحزب الاشتراكي الإيطالي" الذي تزعمه يومها بتينو كراكسي، والذي تألق منه ساندرو بيرتيني الذي أصبح عام 1978 رئيسا للجمهورية، و"الحزب الديمقراطي المسيحي" الذي كان الأكثر شعبية وسيطر على الحكم في إيطاليا مباشرة بعد سقوط الفاشية، واستمر في الحكم لعشرات السنين، ومن زعمائه وأحد رؤساء حكوماته ألدو مورو الذي خطفه عام 1978 وقتله تنظيم "الألوية الحمراء".
وكان مورو قد تجرأ على عقد تفاهم مع "الحزب الشيوعي" بهدف إشراكه لأول مرة في الحكومة بعد أن حقق "الحزب الشيوعي" في انتخابات عام 1976 فوزا تاريخيا بحصوله على 33 في المئة من الأصوات، وربما لهذا السبب تم اغتياله. هل كان وراء العملية المخابرات الأميركية أم تلك السوفياتية؟ ثم يأتي "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" و"الحزب الجمهوري" و"الحزب الليبرالي"، فيما بقي "حزب الحركة الاجتماعية- اليمين الوطني" وريث الحركة الفاشية، معزولا وعلى هامش الحياة السياسية، إذ لم يتم إشراكه في أي حكومة لعشرات السنين إلى أن تحول في منتصف التسعينات إلى "حزب التحالف الوطني" بقيادة جانفرنكو فيني الذي فيه نشأت ومنه ظهرت رئيسة الحكومة الحالية.













