إيران وردع القواعد: حين انكشفت هشاشة الوجود الأمريكي في الخليج
•كتب - زياد فرحان المجالي – عمّان لم تكن الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولا جولة جديدة من جولات التصعيد التي تنتهي عادة ببيانات التهدئة والعودة إلى ما ق...
•ما جرى كشف تحولاً أعمق في ميزان الردع داخل الخليج، بعدما أثبتت إيران أن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لم تعد تتمتع بتلك الحصانة التي ظلت واشنطن وحلفاؤها يتعاملون معها كحقيقة ثابتة طوال عقود.
•لا يعني ذلك أن إيران خرجت منتصرة انتصاراً كاملاً، ولا أن الولايات المتحدة فقدت تفوقها العسكري الشامل.
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب - زياد فرحان المجالي – عمّان
لم تكن الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولا جولة جديدة من جولات التصعيد التي تنتهي عادة ببيانات التهدئة والعودة إلى ما قبل الانفجار. ما جرى كشف تحولاً أعمق في ميزان الردع داخل الخليج، بعدما أثبتت إيران أن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لم تعد تتمتع بتلك الحصانة التي ظلت واشنطن وحلفاؤها يتعاملون معها كحقيقة ثابتة طوال عقود.
لا يعني ذلك أن إيران خرجت منتصرة انتصاراً كاملاً، ولا أن الولايات المتحدة فقدت تفوقها العسكري الشامل. فالفارق في القوة لا يزال كبيراً، والقدرة الأمريكية على الرد والتدمير والانتشار تبقى الأعلى في العالم. لكن جوهر المسألة لا يقاس بمن يملك القوة الأكبر فقط، بل بمن يستطيع أن يرفع كلفة استخدامها إلى مستوى يجعل القرار السياسي أكثر حذراً وتعقيداً. وهنا تحديداً حققت إيران اختراقاً واضحاً في معادلة الردع.
فالقواعد الأمريكية في الخليج، من البحرين إلى الكويت والسعودية والإمارات، كانت تقوم على تصور استراتيجي مفاده أن الوجود العسكري الكثيف بحد ذاته يشكل مظلة حماية وردع. غير أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أعادت تعريف هذه المعادلة. فالقواعد الثابتة، مهما بلغت قوتها التقنية، تبقى أهدافاً واضحة ومعلومة الإحداثيات، ويمكن ضرب محيطها أو منشآتها الحساسة أو خطوط الاتصال فيها إذا امتلك الخصم إرادة التصعيد وأدواته.
هذا هو المعنى الحقيقي للردع الإيراني: ليس منع الولايات المتحدة من الرد، بل منعها من التصرف وكأن الرد بلا ثمن. فإيران لم تكن بحاجة إلى تدمير شامل للقواعد الأمريكية كي تثبت رسالتها، بل كان يكفي أن تُظهر أن هذه القواعد قابلة للإصابة، وأن البنية العسكرية الأمريكية في الخليج لم تعد خارج نطاق الخطر. عند هذه النقطة، تنتقل القواعد من كونها أدوات ضغط على إيران إلى عبء أمني وسياسي على واشنطن وحلفائها.
وبهذا المعنى، فإن الردع الإيراني لم يكن ردع انتصار بقدر ما كان ردع كلفة. فطهران لا تحتاج إلى إسقاط التفوق الأمريكي كي تغير الحسابات، بل إلى إثبات أن استخدام هذا التفوق لن يكون مجانياً، وأن كل قرار بالتصعيد سيحمل معه ثمناً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لا يمكن تجاهله.
الأخطر من ذلك أن الردع الإيراني لا يقوم فقط على الصواريخ، بل على تشابك الجغرافيا بالطاقة بالممرات البحرية. فكل قاعدة أمريكية في الخليج ليست مجرد منشأة عسكرية، بل جزء من شبكة أوسع تشمل مضيق هرمز، وحقول النفط، وموانئ التصدير، وخطوط الشحن، وأسواق الطاقة. لذلك فإن أي مواجهة لا تبقى محصورة بين جيوش، بل تتحول فوراً إلى أزمة اقتصادية عالمية تمس النفط والتأمين والنقل البحري وثقة الأسواق.
ومن هنا يمكن فهم القلق الخليجي. فدول الخليج لم تعد تنظر إلى التصعيد مع إيران بوصفه مواجهة بعيدة تديرها واشنطن من قواعدها، بل بوصفه خطراً مباشراً على أراضيها ومنشآتها وبنيتها الاقتصادية. وإذا كانت المظلة الأمريكية عاجزة عن منع وصول الصواريخ والمسيرات إلى محيط القواعد، فكيف يمكنها أن تضمن حماية المدن والمنشآت النفطية والموانئ وشبكات الكهرباء والمياه؟
لهذا فإن القلق الخليجي لن يبقى شعوراً سياسياً مكتوماً، بل سيتحول تدريجياً إلى مطالبة بضمانات دفاعية مكتوبة وأكثر إلزاماً. فالدول التي تفتح أراضيها وقواعدها ومجالها الجوي أمام واشنطن ستسأل، بوضوح أكبر من السابق: ما المقابل؟ وما حدود الالتزام الأمريكي إذا تحولت هذه التسهيلات إلى أهداف مباشرة في أي مواجهة مقبلة؟
لقد أثبتت إيران قدرة ردع فعلية، لكنها قدرة لا تعني التفوق أو الحسم، بل القدرة على إرباك الخصم وفرض حسابات جديدة عليه. وهذا النوع من الردع هو الأخطر سياسياً، لأنه لا يحتاج إلى الانتصار في الحرب كي يحقق أثره، بل يكفيه أن يجعل الحرب مكلفة بما يكفي لتصبح خياراً محفوفاً بالمخاطر.
في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة واضحة: البقاء الكثيف في الخليج يزيد الانكشاف، والتراجع الواسع يضعف صورة الالتزام أمام الحلفاء. لذلك تبدو واشنطن مقبلة على عقيدة انتشار جديدة تقوم على تقليل الأهداف الثابتة، وتوزيع القدرات، ونقل بعض مراكز القيادة إلى مواقع أكثر تحصيناً، وربما الاستفادة من إسرائيل كقاعدة خلفية أكثر أمناً نسبياً. إنها لا تغادر الخليج بقدر ما تعيد هندسة وجودها فيه، من قواعد ضخمة ومكشوفة إلى انتشار أكثر مرونة وأقل قابلية للاستهداف المباشر.
الخلاصة أن إيران لم تكسر القوة الأمريكية، لكنها كسرت وهماً قديماً: وهم القاعدة الآمنة. ومنذ اللحظة التي أصبحت فيها القواعد الأمريكية داخل الخليج قابلة للاستهداف الجدي، تغيرت قواعد اللعبة. لم تعد واشنطن وحدها من يحدد سقف التصعيد، ولم تعد دول الخليج قادرة على الاطمئنان إلى الحماية القديمة كما كانت. لقد دخلت المنطقة زمناً جديداً، لا تحكمه القوة وحدها، بل كلفة استخدامها أيضاً.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





