إيران بعد علي خامنئي.. سلطة متشددة تدفع المنطقة لحافة الانفجار
تابع المقالة إيران بعد علي خامنئي.. سلطة متشددة تدفع المنطقة لحافة الانفجار على الحل نت.
مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهلة الـ5 أيام وتأطيرها كهدنة مؤقتة تتوقف على إثرها تهديدات التصعيد بضرب منشآت الطاقة في إيران، ومن ثم الإعلان مساء أمس الخميس، أنه سيمدد مهلة شن هجمات على محطات الطاقة الإيرانية 10 أيام، أي حتى 6 نيسان/أبريل المقبل بناء على طلب طهران، فإن واقع الحال يؤشر إلى أن رهانات وقف أو خفض التصعيد وإمكانية حدوث خرق من خلال المفاوضات تبدو مستبعدة. إذ إن النظام الإيراني الذي فشل في التسوية السياسية قبل اندلاع الحرب نهاية الشهر الفائت، يواصل تبني سياسات راديكالية متشددة خصوصاً مع صعود أو بالأحرى تغلغل وتوغل “الحرس الثوري” الإيراني في بنية السلطة ونظام الحكم.
ذلك ما برز مع مقتل قادة الصف الأول وعلى رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي ثم ما تلى ذلك من استهدافات طالت شخصيات مؤثرة ومؤسسة في دوائر صنع القرار مثل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني وهو من الكتل الصلبة التي كانت تملك رؤية براغماتية مرنة تنتمي إلى فكرة الحفاظ على النظام وتجنب استنزافه واحتمالات تغييره وذلك بخلاف ما يجري الآن من تحشيد لجهة المضي إلى الحافة بدافع الانتقام وتوسيع كلفة الصراع إقليمياً ودولياً على أساس منطق الحرب الوجودية ويدفع ثمنها الجميع.
بالتالي، يتسيّد “الحرس” سلطة القرار منذ دفع بخامنئي الابن إلى منصب المرشد الأعلى في “الجمهورية الإسلامية” من دون أن تتوافر فيه شروط تناسب حمولة المنصب العقائدية والسياسية فضلاً عن تعيين لافت لقائد “الحرس الثوري” السابق محسن رضائي كمستشار عسكري للمرشد.
مطالب إيران وعرقلة الحلول الدبلوماسية
هذه البنية المتشددة التي تقود سلطة “الولي الفقيه” وتستبعد القوى الإصلاحية، كان طبيعياً أن ترفع من سقف مطالبها مع الرئيس الأميركي، وتصل بها إلى حدود غير واقعية بينما تستأنف ضرباتها في عدة مناطق وكأنها تسرع أو تقصد إلى عنونة اللحظة تحت إطار العسكرة، وخلط الأوراق للحدود القصوى لجهة تفجير التناقضات الإقليمية والدولية، ثم الرهان على إسناد من خلال متغيرات على هذا الأساس، تجعل مصادر قوة الحكم واستمرار أو بقاء النظام معتمداً على أثمان وكلفة فادحة تترتب عليها نتائج في أطراف أبعد من حدود طهران الجغرافية لكن تتقاطع مع مدارها الجيوسياسي وعمق شبكاتها التخادمية كما هو الحال في السودان والقرن الإفريقي وكذا اليمن والبحر الأحمر وحتى خطوط إمداد السلاح الروسي في بحر قزوين الواقع بين آسيا وأوروبا ويمثل أحد المنافذ الاستراتيجية للطاقة بل يمثل ساحة تنافس بين أطراف النزاع لتقاطع المصالح فيه بين موسكو وطهران.
ومن ثم، فإن التصعيد أو الشروط التي أبلغ بها ممثلو إيران الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تبدو وفق هذا الأساس متوقعة حيث تتوافق والأهداف أو التموضع الذي تسعى أن تتعين فيه طهران، وتضع خيارها كما تفرض على الولايات المتحدة نقطة اللاعودة في مسار الحرب.
وكانت “وول ستريت جورنال” قد كشفت عن مصادر مطلعة أن إيران تطالب بإغلاق جميع القواعد الأميركية في الخليج ضمن شروطها وتعويضات عن الهجمات التي تعرضت لها. وتشمل مطالبها الأخرى فرض نظام جديد على مضيق هرمز يسمح لطهران بتحصيل رسوم على السفن العابرة، على غرار قناة السويس في مصر، وضمان عدم استئناف الحرب، وإنهاء الهجمات الإسرائيلية على ميليشيا “حزب الله” اللبنانية، ورفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، والسماح بالاحتفاظ ببرنامجها الصاروخي من دون قيود أو مفاوضات.
فيما عدّ مسؤولاً أميركياً هذه المطالب الإيرانية التي تبدو تصعيدية ومتشددة بينما تستهدف تأزيم الوضع بشكل انسدادي، بأنها “سخيفة وغير واقعية”، مشيراً إلى أن المواقف الراهنة ستجعل التوصل إلى اتفاق أصعب مما كان عليه قبل اندلاع الحرب.

ووفق “وول ستريت جورنال”، فقد كشف مسؤولون عرب وأميركيون أن الرسائل الأولى للجولة الدبلوماسية الجديدة وردت عبر وسطاء من الشرق الأوسط في أواخر الأسبوع الفائت، من دون وجود اتصالات مباشرة بين واشنطن وطهران. من ثم، تتجه الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران نحو مزيد من التصعيد، في ظل تكثيف الضربات العسكرية وتراجع فرص الحل السياسي وتعثر المسار الدبلوماسي.
تداعيات التصعيد العسكري
كما أن الجيش الإسرائيلي أعلن تنفيذ موجة جديدة من الغارات داخل إيران، استهدفت مواقع عسكرية وصناعية، من بينها منشآت في مدينة أصفهان، قبل نحو يومين.
ويتزامن ذلك مع توجيهات مباشرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوسيع نطاق العمليات وضرب أكبر قدر ممكن من البنية العسكرية الإيرانية خلال فترة زمنية قصيرة.
ولم تتوان إيران عن مواصلة إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل وعدد من دول الخليج، ما أدى إلى سقوط ضحايا جدد إلى جانب الأضرار الأخرى المادية في البنية التحتية والمنشآت المدنية. ففي الإمارات، أسفر سقوط حطام صاروخي عن مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين في أبوظبي، فيما أعلنت دول خليجية أخرى اعتراض هجمات جوية دون تحديد مصادرها بدقة. كما أفادت تقارير إسرائيلية بإصابة عدد من المدنيين جراء سقوط صواريخ في مناطق وسط البلاد.
يمكن القول إن الطرح السياسي أو بالأحرى المقاربة الأميركية لإنهاء الصراع بالمنطقة وطي صفحة الحرب مع إيران تواجهها تعقيدات جمّة تحديداً بخصوص وضع حد للمشروع النووي والقدرات الصاروخية لإيران، الأمر الذي يتفاقم مؤخراً مع ما فرضته الأوضاع الأخيرة من تأزيم وعسكرة مضيق هرمز الذي بدا أزمة يتردد صداها إقليمياً ودولياً وهو الممر المائي الاستراتيجي الذي تمر من خلاله خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالمياً، مع الأخذ في الاعتبار أن ورقة المضيق الذي يلعب بها “الحرس الثوري” بشكل جزئي يجعل الأعباء ثقيلة على مسألة الطاقة وأسعارها في أوروبا بما يفرض تحديات وتعقيدات بين دول التكتل وواشنطن، ما يجعل من الواضح ثمة تكتيك إيراني لتصدير الأزمة لديها في مربع آخر.
تداعيات التصعيد على أسواق الطاقة والسياسة الأوروبية
ولئن دفعت الحرب بإيران بأسعار النفط نحو الارتفاع في ظل الاضطراب بأسواق الطاقة والنفط، ما دفع دولا مثل اليابان إلى السحب من احتياطاتها الاستراتيجية لتعويض النقص في الإمدادات، فإن الدول الأوروبية تقع تحت وطأة معضلة سياسية واقتصادية مزدوجة، وتفاقمها الضغوط الأميركية متزايدة للمشاركة في عمليات تهدف إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز، مقابل رفض داخلي واسع لأي تورط مباشر في النزاع، وتباين في وجهات النظر، مع الأخذ في الاعتبار أن حلف الشمال الأطلسي “الناتو” يؤيد موقف ترامب.
كما صعّد الرئيس ترامب لهجته تجاه الحلفاء الأوروبيين، منتقداً امتناعهم عن الانخراط في جهود عسكرية لتأمين المضيق، بينما حمّل هذا التردد مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة.
وقد تسبب تعطيل حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى أزمة طاقة حادة في القارة، مع ارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، تجاوزت في بعض الدول حاجز 2 يورو للتر. وثمة تململ في الأوساط الاجتماعية الأوربية، أرغمت الحكومات على اتخاذ إجراءات طارئة، تشمل خفض الضرائب وفرض سقوف محددة للأسعار، لتخفيف الضغوط على المستهلكين.
وهناك ارتدادات سياسية داخلية تعكسها الأزمة على المشهد السياسي الأوروبي، حيث إنه في إيطاليا، تلقت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ضربة سياسية بعد خسارة استفتاء مهم، يخص الإصلاح القضائي، وسط انتقادات لعلاقتها الوثيقة بواشنطن فيما حققت قوى يسارية فرنسية معارضة للتدخل العسكري مكاسب انتخابية، مستفيدة من تنامي السخط الشعبي على الحرب.
وإلى ذلك، تبدو أوروبا في منطقة وسط بين ضرورة تأمين إمدادات الطاقة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، من جهة، وبين ضغوط داخلية رافضة للانخراط في الحرب، من جهة أخرى.
ومع استمرار التباين في المواقف، يبقى أي تحرك أوروبي مرهوناً بحسابات سياسية معقدة، مع الأخذ في الاعتبار احتمالية إطالة أمد النزاع وسط عمليات التصعيد القائمة والقادمة.
فرص التغيير الداخلي والتحديات المستقبلية للنظام الإيراني
ولهذا، بدا واضحاً أنه رفض طهران المقترح الأميركي للتسوية قد جاء بشرط لافت إلى جانب طلب الحصول على تعويض وهو الاعتراف الدولي بهيمنتها ونفوذها على مضيق هرمز الأمر الذي اعتبرته واشنطن وحلفاؤها غير قابل للتفاوض.
ورغم محاولات قوى إقليمية منها مصر تدشين قنوات اتصال مع “الحرس الثوري” لإنهاء الصراع وحلحلة الأزمة ونقل الرسائل إلى واشنطن، لكن يبدو أن المفاوضات لن تمضي نحو مرحلة جديدة بحسب تسريبات عديدة متداولة.
تلك الفرضية تعززها الوقائع الميدانية التي تشير إلى وجود ألفي جندي إضافي يتم نشرها في الشرق الأوسط ليتضاعف العدد إلى قرابة سبعة آلاف، بالإضافة إلى نقل قوات أخرى، من بينها وحدات من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة التدخل العسكري، بما يعني الذهاب إلى تعزيز خيارات عسكرية أكثر قوة.
في ظل استمرار العمليات العسكرية وتباعد المواقف السياسية، تبدو الحرب مرشحة لمزيد من التصعيد في المدى القريب، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام تسويات محتملة، لكنها لا تزال غامضة في ظل الشروط المتبادلة وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.

إلا أن هناك فرصة تاريخية لإضعاف النظام وليس تغييره من خلال تحفيز تحول سياسي محتمل، الأمر الذي يتطلب استراتيجية تتخطى العمليات العسكرية والتصعيد الخشن، حيث من الضروري البحث عن البدائل السياسية بداية من تعزيز موقع القوى الإصلاحية داخل النظام التي يمكنها الانخراط في مفاوضات جادة وتمكن من إنهاء العزلة الإقليمية والدولية باستبعاد النفوذ الإقليمي والدعم الميلشياوي عبر مفهوم “تصدير الثوري” وتعميمه باستراتيجات تمكين خارجي، ثم دعم الحراك المدني من خلال قوى سياسية وحقوقية ليبرالية وعلمانية من فئة الشباب والمتعلمين، الأمر الذي يمكن أن يكون له أثر ملموس في تسريع التغيير وذلك بعيدا عن أي ضغوط تؤدي لمآلات غير محسوبة.
بالمحصلة، فإن تغيير النظام تدريجياً أمراً محتملاً وهو سيناريو قائم لكنه لا يبدو عملياً أو نظرياً ممكن راهناً وبشكل فوري وتلقائي، لكن في الأحوال كافة. حيث إنه برغم ما يبدو ظاهرياً صمود للنظام وقدرة على البقاء والمواجهة إلا أن أعماق البنية التحتية للنظام تواجه تصدعات عنيفة وفراغات تستدعي جهوداً محمومة لملء فجواتها البعيدة وتأثيراتها على الوضع الهشّ غير المعلن.
فعملية توريث الحكم في منصب الولي الفقيه التي تنبني على أساسها السلطة وتعد ركنها المركزي وصلب اعتمادها ومصدر القوة والشرعية جاء بخلاف التقاليد المستقرة منذ أكثر من 4 عقود، بما يجعل هذا المصدر المقدس وبحمولته الدينية المؤدلجة والمسيسة هدفاً للطعن وفقدان الجاذبية وتحت طائلة النقد والمسائلة ويضاعف أزمة النظام في جوهره وعلى مستوى الخطاب والسياسات.
بالتالي، فإن هناك خسائر في داخل النظام الإيراني تبدو غير مرئية لكنها تضعه في حالة انكشاف استراتيجي وتجعل من هذا البقاء أو الصمود حالة مؤقتة وتكتيكية ورهن إمكانات التغيير أو الإصلاح.
- إيران بعد علي خامنئي.. سلطة متشددة تدفع المنطقة لحافة الانفجار
- عبد الملك “الحوثي”: لسنا على الحياد وسنساند إيران عسكرياً
- انتهاكات “حوثية” متصاعدة تطال دور العبادة في إب وذمار
- الأمم المتحدة توثق مقتل 1700 شخص في تقريرها الخاص حول مجازر السويداء
- استمرار التوتر في أسواق حماة وسط تخبط تنظيمي
تابع المقالة إيران بعد علي خامنئي.. سلطة متشددة تدفع المنطقة لحافة الانفجار على الحل نت.



