في كل الأنظمة الديمقراطية تشكل الانتخابات حدثا سياسيا يفتح الباب للتنافس بين القوى السياسية على خلفية البرامج الانتخابية المتباينة ،في علاقتها بالاصطفافات الاجتماعية المختلفة من جهة، وفي علاقتها ب” المثال الديمقراطي” L’idéal démocratique الذي يفتح أفقا جديدا أمام تطلعات الناخبين
هي أداة متجددة ، ليس فقط في أبعادها الشكلية، بل أيضا في المضمون السياسي للعملية الانتخابية التي تجدد أفق التطلعات الاجتماعية. ولا يتحقق هذا الأمر إلا عبر السياسة بوصفها الحاضن “ الموضوعي” لمختلف التطلعات والتعبيرات الاجتماعية المتباينة. وكلما عجزت الانتخابات عن ترجمة هذه التطلعات، فإنها لا تعلن أزمة النموذج الديمقراطي فقط، بل تعلن أيضا مأزق السياسة عندما تصبح عاجزة عن ترجمة تطلعات الناخبين والاستجابة لها.
وفي بلادنا ، حيث يشكل المسار الديمقراطي تجربة ناشئة ظلت معها الانتخابات مختبرا لقياس مستوى الدمقرطة ، في علاقتها بالقوانين، وبالمؤسسات، وبالنخب، وبالشعب، وبالناخبين، وبالأحزاب، وبالدولة. وفي كل مرحلة من مراحل العملية الديمقراطية شكلت الانتخابات محطة سياسية تجيب عن مختلف هذه المستويات.
في مرحلة ما سمي ب “ المسلسل الديمقراطي” كانت الانتخابات محطة سياسية لتجريب التوافقات المطلوبة بين الدولة والمعارضة من جهة ، وبين الأحزاب و المجتمع من جهة أخرى. وقد كان لهذه الانتخابات مضمون سياسي ارتبط بمرحلة الصراع حول العملية الانتخابية والسياسية والدستورية، وحول مستلزمات بناء التوافق الوطني .
وفي مرحلة “ التناوب” التوافقي كان المضمون السياسي للانتخابات يجيب عن الحاجة الموضوعية للانتقال لنموذج جديد في العملية السياسية قائم على تدشين مسار المصالحات السياسية والثقافية والحقوقية والتنموية في علاقتها بالدستور، وبالمجال العمومي، وبالمؤسسات، وبالنخب. وشكلت الانتخابات الخلفية السياسية لهذا التحول.
وفي مرحلة ما سمي ب” الربيع العربي” شكلت الانتخابات خلفية سياسية لتجريب المشاركة السياسية للإسلاميين تحت شعار “ محاربة الفساد والاستبداد.”
وفي كل هذه المسارات، شكلت الانتخابات مختبرا سياسيا حقيقيا يجيب عن الحاجة الوطنية المتجددة
لمجابهة مختلف التحديات الكبرى. في أبعادها الداخلية والخارجية.
وفي كل مرحلة كانت الانتخابات هي الوعاء الموضوعي الذي يحضن المضمون السياسي للعملية الديمقراطية طالما أن النخب المتصارعة كانت موجودة في قلب المجتمع.ومن داخله كانت تتأسس مختلف الشرعيات السياسية والديمقراطية التي تعطي للانتخابات مضمونا سياسيا في كل مرحلة .
وفي كل هذه المراحل المتعاقبة ظلت الدولة هي المبادر المركزي في تهيئ شروط
الانتقالات السياسية والدستورية و الديمقراطية المطلوبة. حماية للمسار الديمقراطي من جهة،
وللاستقرار السياسي من جهة أخرى. والأهم من كل هذا ، وهو أن الانتخابات ظلت هي الوعاء
السياسي الذي يحضن مختلف الانتظارات المجتمعية الكبرى، في أبعادها الديمقراطية والتنموية.
واليوم، من حق كل المتتبعين طرح السؤال المشروع “ أي مضمون سياسي للانتخابات
التشريعية القادمة؟
هل نعلنها لأن الخيار الديمقراطي الدستوري بعد 2011 أصبح محسوما ،ويسمح اليوم
بالمنافسة السياسية المفتوحة، على قواعد التعددية والنزاهة، والمصداقية؟
هل نعلنها لأن كل الفرقاء السياسيين يؤمنون حقيقة بنضج العملية الديمقراطية ، داخل
أحزابهم ، وفي المجال العام أيضا؟
هل نعلنها لان الأحزاب تؤمن بضرورة تقديم الحساب أمام الناخبين المغاربة، وتحمل
المسؤولية عن نتائج ذلك؟
هل نعلنها لأن العملية الانتخابية ستفتح أفقاجديدا في المسار السياسي ببلادنا؟
وكيفما كان الحال، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة تفترض استقراء الوضع السياسي العام في علاقته بالانتخابات من جهة، وفي علاقته بالتحولات السياسية التي يعرفها الحقل السياسي الوطني.
إنها مناسبة للقول إن الانتخابات التشريعية ، بالمشهد الحالي ، لا تسائل الأحزاب فقط ، بل تسائل الدولة أيضا . لأن تنظيم الانتخابات حتى ولو كان عرفا ديمقراطيا ودستوريا، إلا أنه من المفروض أن يشكل “ إجابة سياسية “تنقل الناخبين إلى دائرة “ الأمل المنشود”
و “ الثقة في المؤسسات “، وتدفعهم للذهاب إلى صناديق الاقتراع متطلعين إلى التغيير
المأمول . فما هي يا ترى الآفاق التي ستفتحها الانتخابات التشريعية المقبلة في ظل تراكم الملفات
الكبرى لتضارب المصالح ، واستغلال النفوذ، وفي ظل مساحات فقدان الثقة التي ترتسم يوما بعد يوم في المؤسسات وفي العمل السياسي؟
ثم ، بأي ضمانات سياسية ستشكل الانتخابات القادمة أفقا ايجابيا في المسار الديمقراطي والدستوري
باستحضار حجم الكتلة العريضة غير المسجلة في اللوائح الانتخابية، وباستحضار مساحات العزوف الانتخابي التي تتسع خلال العمليات الانتخابية؟
وفوق هذا وذاك ، ما الجدوى من العملية الانتخابية إذا كانت ستعيد إنتاج نفس التقاطب
السياسي الذي أخرج “ جيل زيد” غاضبا إلى الشارع ، ومعه العديد من الحركات
الاحتجاجية و الاجتماعية ، ولعل آخرها المشاهد المؤلمة للنزوح الجماعي إلى سبتة
المحتلة، مع ما تعنيه من فقدان للأمل، وانسداد للآفاق، وشعور بالإحباط واليأس؟
وإذا كانت العديد من المؤشرات توحي بأن الدورة الانتخابية المرتقبة،إذا ما استمرت الأمور على ماهي عليه ، لن تعرف جديدا في تركيبة التقاطب المهيمن.وبالتالي، استمرار انكماش المجال السياسي الديمقراطي لصالح التقاطب الحالي. وهو ما يعني، أن العملية السياسية-الانتخابية لن تساهم في خلق أجواء الانفراج السياسي ، و عناصر القوة الداعمة لمواجهة حدة الطلب الاجتماعي ، وشروط الانتقال إلى مغرب ” السرعة الواحدة” مع ما يتطلبه من أدوات سياسية للانتقال إلى “ديمقراطية الإنجاز” ladémocratie de la performance
التي لم تعد تسمح بتعددية سياسية عجفاء حولت الأحزاب إلى ” وكالات انتخابية” بدون أي مضمون سياسي أو مشروع مجتمعي.
وعليه، فإن الذهاب إلى الانتخابات بنفس الشروط القائمة اليوم، بنفس البنيات والمصالح، مع ما خلفته بالأمس القريب من تعبيرات احتجاجية أربكت المجتمع، والدولة على حد سواء، لن تعمل ، والحالة هاته، إلا على تعميق الهوة بين المؤسسات التمثيلية والنسيج المجتمعي المتحرك .
إن الوضع السياسي العام يسائل الانتخابات التشريعية القادمة على مستوى طبيعة النماذج السياسية
المتبارية عشية الانتخابات. ويسائل أيضا صورة النخبة الحزبية أمام الناخبين،
ناهيك عن اضمحلال فكرة “ المثال الديمقراطي” التي اختفت من المجال السياسي الوطني.
وهكذا، يبدو شعار “ المغرب بسرعة واحدة” مجردا من الحمولات السياسية والمجتمعية
التي قد تعطيه مضمونا في الأجندة الوطنية ،ناهيك عن تحوله إلى شعار انتخابي بدون مضمون سياسي
ظهرت المقالة أي مضمون سياسي للانتخابات التشريعية القادمة؟ أولاً على مدار21.



