في هذه اللحظة تحديداً، ظهرت انتهازية بعض الساسة السودانيين في سعيهم لتسلق مقاعد السلطة في أبشع صورها. فبدلاً من أن يميزوا بين الخلاف السياسي وصون البلاد من الاستعداء الخارجي، انخرطوا في نفخ كير سردية بالية تحاول ربط السودان بالمحور الإيراني وترديدها وترويجها بل واختلاق أسانيد لها، في محاولة لاستدعاء هجمات إسرائيلية وأميركية على السودان.
وكأن خصومتهم مع السلطة قد أعمتهم عن الفارق الجوهري بين منازعة الحكم ومعاداة الوطن. ولم يكن ذلك مستغرباً عليهم، من واقع تأييدهم وانحيازهم إلى محور إقليمي يدعم عدوان ميليشيا "الدعم السريع" على الدولة السودانية بمكوناتها الثلاثة (الشعب والأرض والحكومة). ولكن هنا يختل الميزان الأخلاقي بشكل غير قابل للتبرير قبل أن يختل التقدير السياسي. إذ يصبح الوطن، في خيالهم المأزوم، مجرد مادة للابتزاز الخارجي، ومجرد ورقة مستباحة في معرض الخصومة. ليست هذه معارضة سياسية ولا مواقف فكرية، بل هي عطب في الرؤية. وفي خلفية هذا المشهد تقف أيضاً بنية سياسية موازية تقودها ميليشيا "الدعم السريع" والمحاور الداعمة لها في تكرار وتضخيم السردية نفسها، مستندة إلى أوهام صناعة البديل السياسي عبر الاحتماء بالقوة المسلحة الأجنبية والرعاية الخارجية.

ولهذا فإن أخطر أثر للحرب على إيران في الحالة السودانية ليس عسكرياً، بل هو سردي وسياسي. فالهدف من إعادة تدوير خطاب الربط بين الخرطوم وطهران ليس توصيف الواقع، بل تصوير السودان في الذهن الدولي باعتباره امتداداً لمسرح الحرب على إيران. وعندما تُضخ هذه الفكرة عبر أبواق الميليشيا وبعض الدوائر السياسية الباحثة عن موطئ قدم سلطوي، فإنها تنتج بيئة تحريض، يكون مقصدها استدعاء عداوة أميركية-إسرائيلية ضد الدولة السودانية، أو على الأقل تسهيل قبولها نظرياً داخل بعض دوائر القرار.












