أسطحٌ مفتوحة، وجوارٌ تحت القصف، وبوصلةٌ مضطربة
أسطحٌ مفتوحة، وجوارٌ تحت القصف، وبوصلةٌ مضطربة
بقلم : المهندس محمود”محمدخير ” عبيد
في هذا الإقليم، لم تعد المشكلة في الخلافات بين الجيران، بل في انحدار بعضهم إلى أدوارٍ لا تليق حتى بأبسط قواعد الجوار.
فالخلاف لم يعد يُدار، بل يُستثمر، ولم تعد السيادة تُصان، بل تُؤجَّر، وأحيانًا تُمنح مجانًا لمن يتقن استغلالها.
لنتخيل اننا نملك بناءً، أو نقطن فيه، وفي الجهة المقابلة جارٌ لنا؛ قد لا نرتاح له، وقد نختلف معه حدّ التناقض. لكن ما الذي يمكن أن يبرر أن نفتح سطح بنائنا لعدوّه، ليحوّله إلى منصةٍ لضربه؟ أي منطق هذا الذي يحوّل الخلاف إلى تواطؤ، والجوار إلى أداة اعتداء؟
الأمر لم يعد مجرد سماحٍ عابر، بل تحوّل إلى نمطٍ متكرر منصّات مفتوحة، أجواء مستباحة، وأراضٍ تُستخدم لتصفية حسابات لا تخدم أصحابها بقدر ما تُقحمهم في صراعاتها. ثم، بكل برود، يُطلب من الجار المستهدف أن يضبط النفس، وأن يبتلع الضربات، وكأن الاعتداء عليه حقٌّ مكتسب للآخرين.
لكن المفارقة الأكثر فجاجة تكمن في مكانٍ آخر. هذا “الجار” الذي يُراد كسره، لا يواجهنا، بل يوجّه جزءًا من فعله نحو خصمٍ يفترض أنه خصمنا على مدى عقود أيضًا، خصمٍ يهدد حقوقنا، ويثقل كاهلنا، ويتقاطع معنا في مساحة الضرر. ومع ذلك، نختار أن ندير ظهورنا لهذه الحقيقة، ونذهب أبعد، نتحالف مع هذا الخصم نفسه.
نعم، نتحالف معه. مع من ينازعنا حقوقنا و يغتصبها، ويستنزفنا، ويقف على الضفة المقابلة لنا، فقط لأننا نريد تصفية حسابنا مع جارٍ لنا. أي خلل في البوصلة هذا؟ وأي قراءةٍ هذه التي نجعل من العدو شريكًا مؤقتًا، ومن الجار بكل تعقيداته هدفًا أول؟
هنا، لا يمكن الحديث عن سوء تقدير، بل عن إعادة تعريف خطيرة لمفاهيم العداء والمصلحة. أن نسمح لغيرنا بضرب جارنا من فوق سطحنا، ثم تمدّ يدنا لذلك “الغير” نفسه، رغم أنه يطالنا، فهذه ليست سياسة، بل مقامرة مكلفة، يدفع ثمنها الجميع.
الأخطر من ذلك، هو هذا الإنكار المستمر، إنكار أن فتح المساحات للاعتداء يجعلنا طرفًا، لا متفرجًا. وإنكار أن التحالفات غير المتزنة تعود علينا قبل غيرنا. وإنكار أن من يعتلي سطحنا اليوم لضرب غيرنا، لن يتردد غدًا في استخدامه ضدنا.
في عالمٍ يُفترض أن تُبنى فيه السياسات على المصالح، يبدو أن بعضهم قرر أن يبنيها على التناقض. يعادي من يتقاطع معه في مواجهة خصمٍ مشترك، ويتقارب مع من يعتدي عليه، ويطلب في النهاية هدوءًا لا يستند إلى عدالة، وصمتًا لا يستند إلى منطق.
في النهاية، المسألة لم تعد من هو الجار، ومن هو العدو، بل من الذي فقد القدرة على التمييز بينهما؟ ومن الذي قرر أن يكون السطح الذي تُطلق منه النيران، ثم يستغرب حين تعود عليه الشظايا.
هذا المحتوى أسطحٌ مفتوحة، وجوارٌ تحت القصف، وبوصلةٌ مضطربة ظهر أولاً في سواليف.





