... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
160621 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8081 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

إسرائيل تُظهر وجهها الحقيقي كل يوم

العالم
jo24
2026/04/12 - 16:51 502 مشاهدة

 تأتي لحظةٌ يصبح فيها الغموض شراكةً في الجريمة. وقد بلغنا هذه اللحظة بالفعل.
فما أظهرته إسرائيل في غزة، وما مدّدته إلى لبنان، وما تواصل فرضه في القدس، لم يعد ممكنًا تبريره بوصفه مجرد إفراط، أو خطأ في التقدير، أو خشونةً عابرة من خشونات الحرب. لقد أصبح نمطًا متواصلًا: قوةٌ مفرطة تُسلَّط على المدنيين، واعتداءٌ متكرر على كرامة العبادة، وثقافةٌ سياسية تبدو أكثر فأكثر متحررةً من الضوابط، ومن القانون، ومن أبسط مقتضيات الإنسانية.
في غزة، لم يعد الفشل الأخلاقي قابلًا للإخفاء. شعبٌ أنهكته القنابل، وشرّدته الحرب، وأثقلته المعاناة، لا يزال يعيش في ظروفٍ لا يليق بأي ضميرٍ متحضّر أن يقبلها. وحتى في الفترات التي تُوصَف بأنها وقفٌ لإطلاق النار، فإن القتل والإصابات وتدمير المرافق الأساسية واستمرار الاختناق الإنساني كلها تؤكد أن ما يُسمّى هدنة ليس سلامًا بالمعنى الحقيقي، بل استراحةً قصيرة داخل ظلمٍ أكبر.
وفي لبنان، عاد المنطق نفسه بوضوحٍ أشد قسوة. فالقوة التدميرية لم تعد ردًّا عابرًا على حادثٍ حدودي، بل غدت لغةً سياسية قائمة بذاتها، تُمارَس على نحوٍ يخلّف أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى، ويدفع المجتمع كله إلى حافة الخراب. وحين تصبح الضربة الواسعة أداةً اعتيادية، فإن الادعاء بأن المقصود هو "الردع” وحده يفقد صدقيته أمام حجم الدم والدمار.
ثم تأتي القدس لتكمل المشهد. هناك لا يظهر القمع في صورة القصف وحده، بل في صورة التحكم بالمقدس نفسه. فالتضييق على المسلمين في الأقصى خلال رمضان، والاعتداء على المسيحيين أو عرقلة شعائرهم في مناسباتهم الدينية، ليسا حادثين منفصلين، بل وجهان لسياسة واحدة ترى في كرامة المؤمنين، وفي حرية العبادة، وفي الوضع التاريخي والقانوني للمدينة، أمورًا قابلةً للانتهاك متى اقتضت الحسابات الأمنية والسياسية للاحتلال ذلك.
ولهذا فإن القضية أكبر من جبهةٍ بعينها. فغزة ولبنان والقدس ليست ملفات متفرقة، بل تجلياتٌ لموقفٍ واحد: القوة أولًا، والإنسان بعد ذلك، إن بقي له مكان. المدني يصبح تفصيلًا ثانويًا. والعبادة تتحول إلى ملف أمني. والانتقاد الدولي يغدو ضجيجًا يمكن احتماله. وكل اعتداءٍ جديد يُضاف إلى ما قبله، حتى كأن التكرار نفسه يراد له أن يحوّل الجريمة إلى أمرٍ عادي.
غير أن إسرائيل ليست وحدها موضع الإدانة. فالدول التي تصف نفسها بالمتحضّرة، ثم لا تفعل أكثر من إصدار بيانات "القلق”، لم تعد بريئةً أخلاقيًا مما يجري. فحين تمتلك هذه الدول النفوذ، وأدوات الضغط، والقدرة على فرض الكلفة السياسية والاقتصادية، ثم تكتفي بالتعبير عن الانزعاج، فإنها لا تقف في موقع الحَكَم، بل في موقع المُمكِّن للصمت المنظم. إن الاكتفاء بالقلق، في مواجهة هذا القدر من الخراب، ليس حيادًا، بل صورةٌ مهذبة من صور التواطؤ.
فالتاريخ لن يذكر هذه الدول على أنها كانت متزنةً أو حذرة، بل سيسجل أنها رأت الجريمة رأي العين، ثم اختارت اللغة بدل الفعل، والعبارات بدل المواقف، والشكليات الدبلوماسية بدل المسؤولية الإنسانية. والفرق بين من يرتكب الانتهاك، ومن يملك أدوات ردعه ثم لا يستخدمها، ليس فرقًا مريحًا كما يتوهم البعض؛ بل هو فرقٌ في الدرجة، لا في الجوهر الأخلاقي.
ثم تأتي المأساة العربية، وهي ربما الأشد مرارة. فحتى الآن، وبعد كل ما جرى في غزة، وبعد ما يتكرر في لبنان، وبعد ما يطال القدس وأهلها ومقدساتها، لا تزال بعض الأصوات العربية تتحدث عن التطبيع مع إسرائيل كأنه أفقٌ استراتيجي قابل للاستئناف متى هدأت العاصفة. لكن أي تطبيع هذا؟ أهو تطبيعٌ مع السلام، أم مع العدوان؟ أهو تطبيعٌ مع دولةٍ تحترم الجوار والإنسان والقانون، أم مع دولةٍ أظهرت، يومًا بعد يوم، أنها لا ترى في المنطقة إلا ساحةً مفتوحةً لفرض إرادتها بالقوة؟
إن التطبيع بلا عدالة ليس واقعيةً سياسية، بل خداعٌ للذات. والتطبيع بلا مساءلة ليس براعةً دبلوماسية، بل تراجعٌ أخلاقي واستراتيجي. والمنطقة التي رأت غزة تُسحق، ولبنان ينزف، والقدس تُهان، لا يجوز لها أن تتعامل مع المسألة وكأن شيئًا لم يكن، أو كأن استئناف العلاقات وحده يمكن أن يروّض مشروعًا لم يُبدِ أدنى احترامٍ للحق أو للكرامة أو لحدود القوة.
والحقيقة القاسية باتت واضحةً لكل من يريد أن يرى: إسرائيل لا تخفي وجهها الحقيقي، بل تُظهره كل يوم. تُظهره في ركام البيوت، وفي وجوه الأطفال، وفي منع المصلين، وفي إهانة المقدسات، وفي الاطمئنان إلى أن كثيرين في العالم سيكتفون مجددًا بعبارة "نشعر بالقلق”. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة الكبرى: ليس فقط فيما تفعله إسرائيل، بل فيما بات العالم مستعدًا للتعايش معه من أفعالها.
ولا يمكن أن يقوم سلامٌ دائم على أنقاض الكرامة. ولا يمكن أن يُبنى استقرارٌ حقيقي على تبرير القوة المنفلتة. ولا يمكن لمنطقةٍ تُطلب منها التسويات كل يوم أن تثق بدولةٍ تجعل من التدمير لغةً، ومن الإذلال سياسةً، ومن انتهاك المقدسات أمرًا قابلًا للتكرار من دون حساب.
فإذا أراد العالم أن يحتفظ بأي بقايا من صدقيته الأخلاقية، فعليه أن يغادر طقوس البيانات الرمادية، ويتجه إلى خطواتٍ حقيقية تفرض كلفةً واضحة على العدوان وانتهاك القانون. وإذا أراد العرب أن يحتفظوا باحترامهم الاستراتيجي لأنفسهم، فعليهم أن يتخلوا عن الأوهام التي تقول إن التطبيع وحده قادرٌ على تهذيب مشروعٍ لم يُظهر حتى الآن إلا مزيدًا من الغطرسة والقسوة.
لم يعد هذا زمن العبارات المتوازنة التي لا تُغضب أحدًا. إنه زمن الوضوح الأخلاقي. فغزة كتبت لائحة الاتهام. ولبنان شدّدها بالدم. والقدس ختمتها بالقداسة المنتهكة.
وحين يكتب التاريخ سِجلّ هذه المرحلة، فلن يسأل من أصدر بيانات القلق، بل سيسأل: من أوقف الجريمة، ومن مكّنها، ومن اختار أن ينظر إلى الجهة الأخرى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤