أصغر فرهادي يُفجر قنبلة سياسية في "كان".. وبافليكوفسكي يهرب إلى الماضي من "تشوهات 2026"
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
إيلاف من كان: هيمنت النقاشات السياسية والتاريخية على فعاليات الدورة الـ79 لمهرجان كان السينمائي، بعدما تحوّلت المؤتمرات الصحفية لفيلمين بارزين في المسابقة الرسمية إلى منصات ساخنة للنقاش حول القمع، الهوية، المنفى، والذاكرة الجماعية؛ حيث حمل المخرج الإيراني أصغر فرهادي قضايا بلاده إلى قلب باريس عبر فيلمه الجديد «Histoires Parallèles»، في حين عاد البولندي بافل بافليكوفسكي إلى غياهب أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية في فيلمه «Fatherland». أصغر فرهادي وضريبة الموقف خطف المؤتمر الصحفي لفيلم «Histoires Parallèles - عوالم متوازية» اهتمام وسائل الإعلام الدولية، ليس فقط بسبب عودة فرهادي إلى المنافسة على السعفة الذهبية، وإنما أيضاً بسبب لهجته السياسية المباشرة والحادة، التي بدت أكثر وضوحاً من أي ظهور سابق له في المهرجان. وأكد المخرج الإيراني، المتوّج بجائزتي أوسكار، أن الواقع الذي تعيشه بلاده جعل من المستحيل بالنسبة له فصل الفن عن المأساة الإنسانية، قائلاً: «لا يمكنني الحديث عن الجمال في السينما بينما يعاني شعبي من العنف. إن قتل المدنيين وقمع الحريات في إيران جريمة لا يمكن السكوت عنها، ودوري كفنان هو أن أحمل هذه الصرخة إلى المنصات الدولية». وجدد فرهادي استنكاره الشديد لكل أنواع قتل المدنيين، سواء بالقنابل أو في التظاهرات، مشدداً على أن مبادئه لا تتجزأ تجاه الضحايا. منحت تصريحات فرهادي المؤتمر بعداً سياسياً واضحاً، خصوصاً مع تأكيده أن العمل خارج إيران لم يكن خياراً فنيّاً خالصاً، بل جاء نتيجة مباشرة للقيود الرقابية التي باتت تجعل صناعة الأفلام داخل بلاده أكثر تعقيداً. وأوضح أن فيلمه الجديد، المصوَّر بالكامل في فرنسا، يدور حول «أخلاقيات الصدفة» والعلاقات الإنسانية المتشابكة داخل مدينة باريس، من خلال شخصيات تتقاطع مصائرها بصورة غير متوقعة، يؤدي أدوارها كل من فينسنت كاسيل وإيزابيل هوبير. كما تطرق النقاش إلى تحولات خريطة التمويل السينمائي عالمياً، وانتقال المؤسسات العربية من موقع «الداعم الإقليمي» إلى شريك أساسي في إنتاج أفلام تنافس على الجوائز الكبرى، وذلك بالإشارة إلى أن فيلم فرهادي جاء بتمويل مشترك من جهتين عربيتين؛ هما مؤسسة البحر الأحمر السينمائي (السعودية)، ومؤسسة الدوحة للأفلام (قطر). ورغم الترقب الكبير الذي أحاط بالفيلم قبل عرضه، فإن ردود الفعل النقدية الأولى جاءت أقل من المتوقع، حيث تلقى تقييمات متوسطة إلى منخفضة مقارنة بمكانة فرهادي وسجلّه السابق في مهرجان كان. بافليكوفسكي والهروب إلى عام 1949 على الجانب الآخر، أقيم المؤتمر الصحفي لفيلم المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي «Fatherland»، والذي بدا أقرب إلى جلسة تأمل فلسفية في معنى الوطن، المنفى، والذاكرة الأوروبية الثقيلة. وكشف صاحب فيلم «Ida»، أنه يعجز تماماً عن فهم الحاضر، وهو ما جعله يلجأ إلى الماضي في أعماله، معتبراً أن العالم المعاصر أصبح منفّراً بالنسبة إليه على المستوى الإنساني والبصري والفكري. وقال بافليكوفسكي: «العالم المعاصر بات معقداً بشكل مشوه، وأشعر بغربة حقيقية تجاه الحاضر. لذا عدت إلى عام 1949، حيث كانت الجراح واضحة والخيارات الأخلاقية أكثر حدة». وينبش الفيلم، الذي تدور أحداثه في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، في دفاتر الماضي كاشفاً عن الخراب النفسي والمادي الذي عاشته الشخصيات في تلك الفترة، مع تسليط الضوء على رحلة بحثهم عن معنى الانتماء بعد انهيار كل اليقينيات. ووصف مخرج الفيلم عمله بأنه الأكثر شخصية في مسيرته، موضحاً أن العودة إلى الماضي ليست هروباً من الواقع بقدر ما هي محاولة لفهم اللحظة الحالية عبر جذورها التاريخية، وذلك من خلال تناول قصة الكاتب الألماني توماس مان خلال فترة عودته إلى بلاده بعد الحرب، مما يعكس مشاعره المكبوتة والتي يصعب عليه التعبير عنها هو ومن حوله. ساندرا هولر وتجسيد الذنب التاريخي من جهتها، تحدثت النجمة الألمانية ساندرا هولر بإسهاب عن شخصيتها في الفيلم، حيث تجسد دور «إريكا مان»، ابنة الأديب الألماني الشهير توماس مان. وأكدت هولر أن الفيلم لا يتناول فكرة العودة إلى وطن جغرافي بالمعنى التقليدي، لكنه يناقش البحث عن «وطن أخلاقي» دمرته النازية والحرب وما تبعهما من شعور جماعي بالذنب، قائلة: «كألمان، نحمل ذنباً تاريخياً يتحول في السينما إلى أداة لضمان عدم تكرار الماضي». وأضافت أن ثقل الشخصية لم يكن مرتبطاً فقط ببعدها التاريخي، بل بما تمثله من صراع داخلي بين الانتماء والخجل والخسارة، وهي ثيمات رأت أنها ما تزال حاضرة بقوة في المشهد الأوروبي. إن ما جمع بين فرهادي وبافليكوفسكي، رغم اختلاف الخلفيات والأساليب والموضوعات، هو الإيمان بأن السينما لا تستطيع أن تقف موقف المراقب الحيادي أمام عالم مضطرب سياسياً وأخلاقياً؛ فالأول يستخدم الكاميرا كوسيلة احتجاج وصوت لمن لا يملكون منصة، بينما يعود الثاني إلى التاريخ بحثاً عن تفسير للخراب المعاصر، لتبدو أفلام المسابقة أكثر انشغالاً بالأسئلة الوجودية والسياسية من أي وقت مضى. وفي مشهد اتسعت فيه المسافة بين الواقع والسينما حتى كادت تختفي، أثبت مهرجان كان السينمائي مرة جديدة أنه لا يزال الساحة الأهم للأفكار الكبرى، وليس فقط لاستعراض النجوم وصخب السجاد الأحمر.




