ارتفاع أسعار الأسمنت في سوريا.. “الكلنكر” أبرز الأسباب
عنب بلدي – وسيم العدوي
تشكل صناعة الأسمنت في سوريا عنصرًا ضاغطًا ومؤثرًا على مرحلة إعادة الإعمار والبناء بعد سقوط النظام السابق، وظهور احتياجات ذات أهمية قصوى، كمستلزمات ومواد البناء التي يعول عليها بالدرجة الأولى في ترميم المنازل والمنشآت الصناعية المتضررة وبناء وحدات سكنية ومصانع جديدة.
ورغم الحديث عن قرب انتعاش هذه الصناعة مع تقدم 12 شركة عربية وأجنبية لاستثمار معملي “المسلمية” في حلب، و”عدرا” في ريف دمشق، وفقًا لما كشفه مدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران)، محمود فضيلة، مؤخرًا، إلا أن هذه الجهود اصطدمت بإعلان إدارة الشركة التوقف عن إنتاج “الكلنكر” المادة الأساسية لصناعة الأسمنت، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما تسبب بحالة تذبذب في سعر طن الأسمنت الواحد ما بين 120 و160 دولارًا، هبوطًا وصعودًا.
عنب بلدي، تسلط الضوء في هذا التقرير على واقع إنتاج وتسويق مادة الأسمنت الذي يرتبط مباشرة بسوق العقارات، ونقاط القوة والضعف في السياسات الحكومية لدعم صناعة الأسمنت وتحقيق الاستقرار في سعر المادة.
توقف “الكلنكر” ومعضلة تثبيت السعر
توقف إدارة شركة “عمران” عن إنتاج مادة “الكلنكر” تسبب في قلة المعروض، ومع زيادة الطلب ارتفعت أسعار الأسمنت، وأسهم في تعمق أبعاد المشكلة، تأخر دخول الواردات من الأسمنت الأردني الى سوريا بانتظام، نتيجة لقرار الجمارك السورية بشأن “المناقلة”، وهو لا يسري بالطبع على الأسمنت الأردني، ولكن “مناقلة” البضائع الأخرى إلى الشاحنات السورية عبر معبر “نصيب- جابر” الحدودي بين سوريا والأردن، تسببت بتأخر دخول الكميات المطلوبة لسد احتياجات سوق البناء والتشييد.
وقال الخبير المختص في الصناعة السورية أحمد سليمان، لعنب بلدي، إن رفع أسعار الأسمنت، وتحكم بعض التجار في المادة، وضع المقاولين وشركات البناء وحتى المواطنين الراغبين بترميم منازلهم ومحالهم تحت رحمة التاجر من جهة، والقرارات الارتجالية الحكومية غير المدروسة من جهة أخرى.
ويشهد قطاع الأسمنت في سوريا فجوة واضحة بين الإنتاج المحلي وحاجة السوق، وفقًا لسليمان، حيث يقدّر الإنتاج الحالي بنحو 4.6 مليون طن سنويًا، بينما تحتاج السوق السورية إلى حوالي ثمانية إلى تسعة ملايين طن سنويًا، لتلبية الطلب المرتبط بالبناء والترميم والمشاريع، وهو ما يتسبب بعجز يقدّر بما يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين طن سنويًا.
يعود هذا النقص إلى عدة عوامل، بحسب سليمان، أهمها:
- نقص الوقود والطاقة اللازمة لتشغيل معامل الأسمنت بكامل طاقتها، وهو الأمر المُلح في إنتاج “الكلنكر” الأساسي لصناعة الأسمنت، والسبب الذي من أجله تم إيقاف تصنيعه.
- تضرر بعض المصانع خلال السنوات الماضية وارتفاع تكاليف الإنتاج والصيانة، ولذلك تعمل بعض معامل الأسمنت بطاقة أقل من قدرتها الفعلية، ما يقلل كمية المعروض في السوق.
الحلول الحكومية والاستثمارات
لتعويض العجز بالأسمنت، قال الخبير المختص في الصناعة السورية أحمد سليمان، إنه يتم الاستعاضة عن النقص عبر الاستيراد من دول مجاورة، حيث يدخل إلى السوق أسمنت جاهز أو مادة “الكلنكر” ليتم طحنها أو بيعها مباشرة، ويساعد هذه الاستيراد على تغطية نحو 40% من الطلب، ومنع حدوث نقص كبير في مواد البناء، لكنه في الوقت نفسه يسهم في ارتفاع الأسعار، بسبب تكاليف النقل والاستيراد وتقلبات سعر الصرف.
وفي المقابل، يفتح هذا الواقع فرصًا مهمة للاستثمار المحلي في قطاع الأسمنت، من أبرزها:
- إعادة تأهيل المعامل المتوقفة أو المتضررة ورفع كفاءتها الإنتاجية.
- إنشاء خطوط إنتاج جديدة أو توسعة المعامل الحالية لتغطية جزء من العجز في السوق.
- الاستثمار في طحن “الكلنكر” المستورد محليًا، وهو مشروع أقل تكلفة من إنشاء معامل متكاملة.
- تطوير مشاريع مرتبطة بالطاقة البديلة أو الوقود الصناعي لتقليل تكاليف الإنتاج.
ولذلك ما زال سوق الأسمنت في سوريا يعتمد حاليًا على مزيج من الإنتاج المحلي المحدود والاستيراد الخارجي، مع إمكانية تحسن الوضع مستقبلًا في حال دخول استثمارات جديدة وتوسيع الطاقة الإنتاجية للمعامل المحلية.
تدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران):
-
معمل أسمنت طرطوس: من أهم وأكبر المعامل، ويجري العمل على تطويره واستثمار مطاحن الأسمنت فيه، وتم توقيع عقد لاستثماره مؤخرًا من قبل شركة “QBZ” الإماراتية.
-
معمل المسلمية في حلب، وكان مستثمرًا من قبل شركة “قاطرجي”، وهو متوقف حاليًا، ومطروح للاستثمار.
-
معمل أسمنت البادية (خاص) في ريف دمشق.
-
معمل أسمنت عدرا (ريف دمشق): يخدم المنطقة الجنوبية والعاصمة، وهو مطروح للاستثمار حاليًا.
-
معمل أسمنت حماة: من أكبر وأقدم المعامل في سوريا، مستثمًر من قبل شركة عراقية حاليًا.
-
معمل أسمنت حلب (الشيخ سعيد): متوقف عن العمل وتعرض لأضرار كبيرة خلال الحرب، وهو مطروح للاستثمار.
-
معمل أسمنت الرستن (حمص): متوقف وكان من المعامل المهمة قبل الحرب.
-
مشروع قيد الدراسة والإنشاء، هو معمل أسمنت في ريف دمشق.
وأشار الخبير بالصناعة السورية إلى أنه بعد التحرير، اعتمد التوجه الحكومي نحو استيراد “الكلنكر” من الخارج، وذلك يعكس عدم الاستقرار الاقتصادي والاعتماد على السوق الخارجي، ومع تغير الظروف، تم طرح مطاحن المعامل المنتجة للاستثمار عبر عقود مع عدة شركات عراقية وإماراتية وسعودية ومحلية.
وبحسب تقديرات سليمان، فإن إعادة الإعمار تتطلب كميات ضخمة من الأسمنت، تقدر بحوالي عشرة ملايين طن سنويًا عند انطلاقها، ومع ذلك، فإن عدم استثمار الطاقات البشرية والفنية والخبرات السورية المتراكمة في هذا القطاع يمثل تحديًا كبيرًا.
نقاط القوة والضعف في صناعة الأسمنت
يرى الخبير المختص في الصناعة السورية أحمد سليمان، أن صناعة الأسمنت في سوريا تمتلك مجموعة من النقاط أو عوامل القوة هي:
- الخبرات المحلية: يوجد في سوريا عدد من المهندسين والفنيين ذوي الخبرة في صناعة الأسمنت.
- الطلب المرتفع: الحاجة المُلحة لإعادة الإعمار توفر سوقًا كبيرة لصناعة الأسمنت.
- إمكانية الشراكات: وجود مذكرات تفاهم مع شركات عربية ودولية يمكن أن يسهم في تطوير الصناعة.
وبالمقابل هناك نقاط ضعف تتمثل بـ:
- ارتفاع تكاليف الإنتاج: عدم القدرة على إنتاج “الكلنكر” محليًا يزيد من التكاليف.
- عدم الاستقرار السياسي: أي تغييرات جديدة قد تؤثر سلبًا على استثمارات القطاع الخاص.
- تأثر المعامل والمرافق الصناعية بضعف البنية التحتية، يؤثر على القدرة الإنتاجية.
التأسيس للمرحلة المقبلة من الإنتاج
أكد الخبير السوري أنه في ظل وجود مذكرات تفاهم بإطلاق مصانع جديدة للأسمنت، هناك حاجة مُلحة لتحديد موعد البدء بإنشائها، ولكن يجب على الحكومة السورية العمل على:
- تطوير البنية التحتية عبر تحسين مرافق الإنتاج والنقل.
- تشجيع الاستثمارات، وتوفير حوافز تشجيعية وإعفاءات للشركات المحلية والأجنبية للاستثمار في الصناعة.
- تدريب الكوادر الجديدة التي ستعمل مستقبلًا في القطاع، إذ إن الاستثمار في تدريب الكوادر البشرية يضمن استغلال الخبرات المحلية بشكل فعال.
الخبرة العقارية: لا انعكاسات على أسعار العقارات
الخبير والمقيّم العقاري محمد العلي، تحدث لعنب بلدي عن آثار ارتفاع أسعار الأسمنت وغيره من مواد البناء على سوق العقارات في سوريا، واعتبر أن ارتفاع سعر الأسمنت قد لا ينعكس بشكل مباشر وفوري على أسعار العقارات المبنية التي تم إنشاؤها سابقًا.
والسبب الرئيس في ذلك هو أن أسعار العقارات في سوريا، خاصة في المناطق الكبرى مثل دمشق وحلب، كانت مرتفعة أساسًا نتيجة للظروف الاقتصادية والطلب المتزايد على الوحدات السكنية.
أما فيما يتعلق بالأبنية الجديدة التي ستقام مستقبلًا، فيمكن القول حسب الخبير العلي، إن هذا التأثير لم يظهر بعد بشكل واضح، والسبب الرئيس في ذلك هو أن العديد من المشاريع السكنية الجديدة التي كان مخططًا لها قد تعرضت للتوقف أو التأجيل بسبب الظروف الاقتصادية وعدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق.
وعندما تبدأ هذه المشاريع بالانطلاق مرة أخرى، فإن زيادة أسعار المواد الخام، مثل الأسمنت، ستؤدي حتمًا إلى زيادة تكلفة البناء، بحسب الخبير العقاري، وهذه الزيادة ستنعكس بالطبع على أسعار الوحدات السكنية الجديدة، ومع ذلك، سيكون هناك بعض العوامل التي قد تؤثر في هذه الزيادة، مثل:
- السوق العقاري الحالي، فإذا استمر الطلب على العقارات في الزيادة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى رفع الأسعار بشكل أكبر.
- القدرة الشرائية، إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانخفضت قدرة المواطنين على شراء العقارات، قد يواجه المطورون العقاريون صعوبة في رفع الأسعار بشكل كبير، مما قد يحد من الزيادة المتوقعة.
- قطاع البناء في سوريا يعاني من بطء في تنفيذ المشاريع، ولذلك، وبالنسبة للأبنية التي ستقام حديثًا، فإن الزيادة في الأسعار لم تظهر بعد بشكل كامل لأن هذه المشاريع ما زالت في مرحلة التخطيط أو التأجيل، أو قد تكون قد تعرضت لمشكلات في التمويل.

