ارتفاع انبعاثات الميثان من 2019 إلى 2024 بسبب الماشية والأراضي الرطبة
كشفت دراسة حديثة عن أسباب معقدة تقف خلف ارتفاع تركيزات غاز الميثان في الغلاف الجوي، بشكل ملحوظ، خلال الفترة من 2019 إلى 2024.
والميثان أحد أخطر الغازات المسببة للاحترار العالمي؛ إذ يمتلك قدرة على تسخين الأرض تعادل نحو 80 ضعفاً مقارنة بثاني أكسيد الكربون خلال فترة زمنية تمتد لنحو 20 عاماً.
وأوضحت الدراسة، التي نشرت في دورية Science Advances، أن مستويات الميثان في الغلاف الجوي ارتفعت بمعدل سنوي متوسط بلغ 0.7% خلال تلك الفترة، مع تسجيل قفزة واضحة في عام 2021.
أوضحت الدراسة أن الارتفاع في تركيزات غاز الميثان جاء نتيجة تفاعل معقد بين عدة عناصر تعمل معاً داخل الغلاف الجوي، ويعود جزء كبير من الزيادة إلى الظروف التي كانت قائمة بالفعل عام 2019، إذ لم يكن النظام الجوي قد وصل بعد إلى حالة توازن بين مصادر الميثان وعمليات إزالته.
بعبارة أخرى، كان هناك "زخم" سابق أدى إلى استمرار ارتفاع الميثان لعدة سنوات لاحقة حتى دون تغير كبير في الانبعاثات.
غاز الميثان في الغلاف الجوي
وشهدت بعض مصادر الميثان زيادة فعلية بعد عام 2019، خاصة في قطاعات الثروة الحيوانية، ومعالجة النفايات، وهو ما ساهم في تعزيز هذا الاتجاه التصاعدي.
ولعب عامل ثالث دوراً مهماً، يتمثل في تراجع تركيز جذور الهيدروكسيل في الغلاف الجوي، وهي مادة كيميائية مسؤولة عن تفكيك الميثان وتقليل بقائه في الهواء. وعندما تنخفض هذه المادة، يظل الميثان لفترة أطول، ما يؤدي إلى تراكمه وارتفاع تركيزه.
وأفادت الدراسة بأن معدل ارتفاع الميثان في الغلاف الجوي بلغ نحو 0.7% سنوياً خلال هذه الفترة، مع تسجيل ذروة واضحة في عام 2021.
وأظهرت التحليلات أن الانبعاثات العالمية ارتفعت حتى ذلك العام، ثم عادت إلى الانخفاض نسبياً بعد ذلك، لكنها لم تنخفض بما يكفي لتعويض الزيادة السابقة.
وفي المقابل، كان التباطؤ النسبي في نمو الميثان بعد عام 2021 مرتبطاً بشكل أكبر بتعافي مستويات الهيدروكسيل، وليس نتيجة انخفاض كبير في الانبعاثات.
وانخفضت انبعاثات النفط والغاز بين 2019 و2024 بنحو 5 تيراجرامات سنوياً، أي نحو 9%، كما انخفضت انبعاثات الأرز بنحو 6 تيراجرامات سنوياً، أي نحو 17%، لكن هذه الانخفاضات عوضتها بالكامل زيادات من قطاعي الثروة الحيوانية والنفايات.
وزادت انبعاثات الماشية بنحو 18 تيراجراماً سنوياً، أي حوالى 15%، وزادت انبعاثات النفايات بنحو 9 تيراجرامات سنوياً، أي نحو 11%، بينما ظلت انبعاثات الفحم شبه مستقرة.
وذكرت الدراسة أن قمة 2021 في الانبعاثات جاءت أساساً من زيادة انبعاثات الماشية، مع مساهمات إضافية من النفايات والأراضي الرطبة.
على المستوى الإقليمي، وجدت الدراسة أن شرق إفريقيا كانت أسرع منطقة نمواً في الانبعاثات خلال الفترة من 2019 إلى 2024، تلتها أميركا الجنوبية، ثم أوروبا.
وفي إفريقيا عموماً ارتفعت الانبعاثات من 79 إلى 86 تيراجراماً سنوياً، وكانت مسؤولة عن 28% من موجة الزيادة بين 2019 و2021.
وترى الدراسة أن الزيادة في شرق إفريقيا ترتبط غالباً بالأراضي الرطبة والماشية.
الأراضي الرطبة
أكدت الدراسة أن الفصل بين هذين المصدرين في إفريقيا ليس سهلاً تماماً؛ بسبب تداخلها المكاني وضعف بعض البيانات الأرضية. وفي جنوب السودان، ومناطق مستجمعات المياه المحيطة، مثل مناطق مرتبطة بمستنقعات السد وبحيرة فيكتوريا، رصدت الدراسة نمواً ملحوظاً في الانبعاثات، مع ذروة في 2022.
أما أميركا الجنوبية فظهرت أيضاً كمصدر مهم للزيادة، إذ ارتفعت الانبعاثات فيها من 100 إلى 105 تيراجرامات سنوياً بين 2019 و2024، وأرجعت الدراسة هذه الزيادة إلى الوقود، خصوصاً النفط والغاز في فنزويلا، وكولومبيا، ومن النفايات، بينما لم تتغير انبعاثات الأراضي الرطبة والماشية بشكل واضح هناك.
وفي المقابل، سجلت منطقة الأمازون نفسها انخفاضاً في الانبعاثات، وربط الباحثون ذلك بظروف الجفاف القياسية التي شهدتها المنطقة في 2023.
وفي أوروبا، رصدت الدراسة ارتفاعاً في الانبعاثات من 19 إلى 26 تيراجراماً سنوياً بين 2019 و2024، مرجحة أن يكون ذلك مرتبطاً بالماشية والنفايات، مع الإشارة إلى أن دقة الفصل القطاعي هناك محدودة بسبب تداخل المصادر داخل الخلايا الشبكية المستخدمة في التحليل.
ووجدت الدراسة زيادة في الصين بمعدل 0.4 تيراجرام سنوياً، نتيجة صعود الانبعاثات في شمال الصين مقابل تراجعها في الجنوب مع انتقال بعض أنشطة تعدين الفحم شمالاً، وفي المقابل، لم تجد الدراسة اتجاهاً معنوياً واضحاً في الانبعاثات في الولايات المتحدة المتجاورة، أو كندا خلال الفترة نفسها.
الحد من الانبعاثات
وأظهرت النتائج أن الأراضي الرطبة الشمالية الباردة، مثل "هادسون باي" في كندا و"سيبيريا" في روسيا، أظهرت اتجاهاً هابطاً في الانبعاثات خلال 2019–2024.
وتربط الدراسة ذلك بحالات جفاف مستمرة نسبياً، وانخفاض منسوب المياه، وزيادة التبخر، وهو ما قد يجعل التربة الرطبة أقل قدرة على إطلاق الميثان، وتكمن أهمية هذه النتيجة في التذكير بأن سلوك الأراضي الرطبة ليس واحدا في كل العالم.
وبشكل عام، بينت النتائج أن الزيادة في تركيزات الميثان لا تعود إلى عامل واحد، بل إلى مزيج من العوامل، إذ ساهمت الظروف الأولية في عام 2019 بنحو 59% من هذا الارتفاع، في حين شكلت الزيادة الفعلية في انبعاثات الميثان نحو 25%، بينما ارتبطت نسبة 16% بانخفاض مستويات جذور الهيدروكسيل، والتي تعرف أحيانا باسم "منظف الغلاف الجوي" نظراً لدورها في تفكيك الميثان، والملوثات الأخرى.
وشدد الباحثون على أهمية اتخاذ إجراءات قوية للحد من انبعاثات الميثان، خاصة في قطاعات الثروة الحيوانية وإدارة النفايات، لتحقيق أهداف مبادرة "الميثان" الدولية، الهادفة إلى خفض انبعاثات هذا الغاز، والحد من تأثيراته على تغير المناخ.
وخلصت الدراسة إلى أن فهم العوامل المتداخلة، التي تتحكم في مستويات الميثان، يمثل خطوة أساسية نحو وضع سياسات فعالة لمواجهة تغير المناخ، خاصة أن هذا الغاز يشكل أحد أسرع العوامل تأثيراً في تسارع ظاهرة الاحترار العالمي.







