أربعة أسعار للدولار في سورية!!.. “انفصام” الواقع التسعيري وانهيار صامت للقدرة الشرائية
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة أن الاقتصاد السوري يعيش منذ سنوات أزمة هيكلية حادة تجلت أبرز مظاهرها في تعدد أسعار صرف الليرة السورية أمام الدولار. فبين سعر رسمي يثبته مصرف سورية المركزي عند 11.000 ليرة، وسعر للمحروقات يُحتسب على أساس 12.500 ليرة، وسعر للسوق الموازية يلامس 13.000 ليرة، يبرز سعر رابع وأخطر وهو سعر يُستخدم في تسعير السلع الغذائية والاستهلاكية اليومية ويقترب من 20.000 ليرة.
أستاذ المصارف اعتبر في حديثه لـ”الوطن” أن هذا التفاوت ليس مجرد خلل فني في آلية تحديد سعر الصرف، بل هو مؤشر على انفصال كامل بين أدوات السياسة النقدية وواقع السوق، وترجمة حقيقية لفشل آليات التسعير الرسمية في السيطرة على التوقعات التضخمية.
وفي قراءة في مستويات الأسعار الأربعة يرى محمد أن السعر الرسمي (11.000) يعبّر عن سعر صرف إداري، تُنفذ عبره حوالات محدودة جداً (مؤسسات عامة، وخطوط ائتمانية، ودعم محدود)، وقيمته التداولية لا تتجاوز 5-10% من حجم الطلب الفعلي على النقد الأجنبي.

وبالنسبة لسعر المحروقات (12.500) وصفه بالسعر الهجين، ويُستخدم لتسعير المشتقات النفطية المدعومة جزئياً، ويعكس محاولة المركزي تقليص فجوة الدعم، لكنه يظل منفصلاً عن سعر التوريد الفعلي الذي يتم غالباً بأسعار سوق موازية أعلى.
أما السعر في السوق الموازي (13.000) فهو السعر الذي يُتداول فعلياً في السوق الحرة، لكن حجم السيولة المتداولة فيه ضيق نسبياً، ما يجعله غير ممثل لكامل الاقتصاد، خاصةً في استيراد السلع الأساسية.
بينما سعر تسعير السلع الغذائية (20.000) فهذا هو السعر الاقتصادي الحقيقي للمستهلك ويُستخدم في تسعير الواردات الغذائية التي تخضع لعمليات تمويل عبر طرق غير مصرفية (تحويلات خارجية عبر الوسطاء، وأرصدة في الخارج، ومقاصات غير رسمية)، لافتاً إلى أن هذه الآليات تتحمل تكاليف إضافية كبيرة (عمولات، ومخاطر، وتأخير)، ما يرفع السعر الفعلي للدولار إلى مستويات 18.000- 20.000 ليرة.
آلية انتقال التفاوت إلى الأسعار
ويرى محمد أنه وعندما يحتسب المستورد سعر صرفه الفعلي بـ 20.000 ليرة، فإنه يُسعر بضاعته على هذا الأساس، بينما يحصل المواطن على دخله (رواتب، ومبيعات) مقوما بأسعار صرف أقل (غالبا السعر الموازي 13.000)، والنتيجة انخفاض القوة الشرائية بنسبة تتجاوز 35% (20.000 بدل 13.000)، وهذا هو جوهر “الانهيار الصامت” – حيث يُسعر التجار والمستوردون الأسعار ليس على أساس تكلفة الاستيراد الحالية فقط، بل على أساس توقعاتهم لسعر الصرف عند إعادة التخزين، ما يخلق تضخماً ذاتي التحقق.
لماذا لا يستطيع المركزي توحيد السعر؟
أعاد أستاذ الاقتصاد ذلك إلى أن الاقتصاد السوري يعاني من عجز حاد في الاحتياطي الأجنبي، فهو لا يمتلك المركزي سيولة كافية لدعم السعر الرسمي لجميع المعاملات، وإضافة لذلك هو اقتصاد ثنائي قطاع عام يُسعّر بالليرة المدعومة، وقطاع خاص غير رسمي يعتمد على آليات تمويل خارج القنوات المصرفية.
ومن العوامل برأي محمد غياب الثقة فالتعامل بالليرة أصبح مجرد وسيط، والمتعاملون يهربون إلى الدولار أو الذهب أو السلع المعمرة كأصول قيمية.
انعكاسات على الفئات الاجتماعية
واستعرض محمد تأثير ذلك على فئات المجتمع فأصحاب الدخل الثابت (موظفون، ومتقاعدون) دخولهم بالليرة تُحوّل إلى دولار وفق السعر الرسمي أو الموازي، بينما يشترون السلع بسعر 20.000. خسارتهم مضاعفة.
أما أصحاب الأعمال والتجار فهم يتحولون تدريجياً إلى التسعير بالدولار، ما يعمّق الدولرة ويُخرج الليرة من دائرة التداول كوحدة حساب.
بينما العمال باليومية فيتقاضون أجورهم نقداً بالليرة، ويتعرضون لأعنف موجة غلاء لأن سلة استهلاكهم غذائية بشكل شبه كامل.
ويرى أستاذ المصارف أن استمرار هذا التفاوت في أسعار الصرف ليس مجرد خطأ تقني، بل هو سياسة ضمنية لنقل التضخم من الميزانية العامة إلى المواطن، فالدولة، بعجزها عن توفير الدولار بأسعار مستقرة، تركت السوق يبتكر آلياته الخاصة في التسعير، دون أن تعترف بها رسمياً، ما أضفى شرعية ضمنية على فجوة تتجاوز 50% بين سعر الصرف الرسمي وسعر تسعير السلع.
حلول
والحل برأي محمد لا يكمن في مطاردة سعر الصرف عبر التعويم أو التثبيت الإداري، بل في إعادة بناء الثقة عبر ثلاث ركائز توحيد سعر الصرف فعلياً ولو عند مستوى مرتفع (مثلاً 18.000 ليرة)، مع رفع الدعم عن كل السلع باستثناء الأدوية والخبز، وتعويض الفئات الأشد فقراً عبر تحويلات نقدية مشروطة، إلى جانب إلزام المستوردين والممنوحين (منح تراخيص استيراد) بتوفير تغطية تمويلية عبر المصرف المركزي أو تحويلات نظامية، مع فرض عقوبات رادعة على التسعير المزدوج.، إضافة لوقف فوري لتسعير السلع بسعر صرف افتراضي من خلال نشر سعر صرف إلزامي للتسعير (ليس للتداول) يُحدد
أسبوعيا بناءً على متوسط السوق الموازية مضافاً إليه هامش لا يتجاوز 10%، وإلزام منافذ البيع الكبرى به.
وختم محمد بالقول: في غياب هذه الإجراءات، سيبقى المواطن السوري يدفع ثمن انفصام السياسة النقدية عن الواقع، وستتحول الليرة السورية تدريجياً إلى مجرد “رمز ورقي” دون غطاء ثقة أو وظيفة قياس قيمة، وهو ما يعني انتقال الاقتصاد بالكامل إلى حالة من الدولرة الكاملة غير الرسمية، التي ستكون أكثر قسوة على الفقراء.





