انسحاب أميركي من سوريا عشية ذكرى الاستقلال… ماذا بعد المظلة الأمنية؟
مع استكمال الانسحاب الأميركي من سوريا عشية ذكرى الاستقلال، تبرز تساؤلات عمّا بعد المظلة الأمنية التي شكّلها الوجود الأميركي طوال السنوات الماضية. ففي توقيت يتقاطع فيه القرار مع مسار إقليمي مضطرب وتصاعد التوتر مع إيران، لا يبدو هذا الانسحاب خطوة تقنية بقدر ما هو تحوّل في مقاربة واشنطن لدورها على الساحة السورية، بما يفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات وطرح أسئلة جديدة بشأن شكل المرحلة المقبلة.
من مظلة "داعش" إلى تعدد الأهداف
منذ دخول القوات الأميركية إلى سوريا عام 2014، تعددت عناوين وجودها. صحيح أن الحرب على تنظيم "داعش" شكّلت المظلة المعلنة، لكن مسار التدخل كشف مبكراً عن تعدد المستويات التي تتحرك عبرها واشنطن. فالضربات الأولى لم تُوجَّه إلى "داعش" بقدر ما استهدفت جماعة "خراسان" المرتبطة بـ"جبهة النصرة". ثم تبلورت الشراكة مع "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، لتتحول إلى ركيزة ميدانية لنفوذ أميركي في شرقي البلاد.
في المقابل، لم يتأخر التدخل الروسي كثيراً، بما أكد أن سوريا لم تعد مجرد ساحة حرب داخلية، بل مسرحاً لإدارة توازنات دولية، تتداخل فيه مكافحة الإرهاب مع صراع النفوذ بين القوى الكبرى، في ظل خطوط تماس دقيقة كادت أكثر من مرة أن تنزلق إلى مواجهة مباشرة.
انسحاب بلا ضجيج… تحوّل في حسابات واشنطن
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2018 نيته سحب القوات من سوريا، بدا القرار في حينه كأنه يصطدم ببنية الدولة العميقة في واشنطن. كان الاعتراض داخل المؤسسة العسكرية صريحاً إلى حد دفع وزير الدفاع آنذاك جيمس ماتيس إلى الاستقالة، ما عكس إدراكاً بأن الانسحاب لا يتعلق بساحة هامشية، بل بعقدة جيوسياسية حساسة.
اليوم، يجري التنفيذ بهدوء لافت، من دون ذلك الاحتكاك الداخلي، وكأن التقدير الاستراتيجي نفسه قد تبدّل. فلم تعد سوريا يُنظر إليها كجبهة تستحق كلفة البقاء، بل كملف يمكن إدارته بأدوات أقل مباشرة. لكن هذا "الهدوء" يخفي طبقة أخرى من التعقيد، تتعلق بكيفية الانسحاب لا بقراره فقط.
فالمسار الذي سلكه الرتل الأميركي الأخير متجهاً إلى الأردن لا إلى العراق لم يأتِ لاعتبارات لوجستية فقط، بل قد يشير إلى إعادة توزيع للانتشار أكثر مما يشير إلى خروج نهائي من المعركة ضد "داعش"، وإلى رغبة في تقليص التعرض لمخاطر الفصائل العراقية، مقابل تموضع أقرب إلى الجنوب، حيث تتقاطع حسابات الحدود الأردنية والإسرائيلية، وحيث يمكن مراقبة المشهد من دون انخراط مباشر في عمقه، بما يدل على أن الحسابات الجيوسياسية لا تزال حاضرة بقوة.

على وقع الحرب مع إيران
تتضاعف دلالة هذه الخطوة حين توضع في سياق الحرب مع إيران. فالانسحاب لم ينتظر وضوح نتائج المفاوضات، ولم يُعلَّق على مآلات الهدنة الهشة، بل سبقها. وقد يشير هذا الاستباق الزمني إلى أمرين: إما أن واشنطن لا ترى في سوريا ساحة حاسمة في معادلة الصراع، أو أنها لا ترغب في أن تتحول إلى نقطة اشتباك في حال انفلتت المواجهة.
لكن هذا الافتراض لا يلغي أن الانسحاب نفسه قد يرفع مستوى القلق الأمني، خصوصاً مع صدور تهديدات إيرانية بضرب الفنادق، ومع إعلان وزارة الداخلية السورية عن كشف خلايا قالت إنها تتبع لـ"حزب الله"، ما يعني أن تقليص الحضور الأميركي لا يوازي بالضرورة تراجعاً في مستوى المخاطر.
ولا يمكن أيضاً استبعاد أن يكون القرار جزءاً من ثقة نسبية بمسار التهدئة مع إيران، أو بإمكان احتواء التصعيد خارج الجغرافيا السورية. وبين هذين الاحتمالين، يبقى الثابت أن الانسحاب جاء في ذروة غموض، لا في لحظة استقرار، ما يمنحه معنى يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
توازنات جديدة بين روسيا وتركيا وإسرائيل
خروج الولايات المتحدة لا يعني فراغاً بقدر ما يعني إعادة ترتيب لمعادلة القوى. فالحضور الروسي لا يزال قائماً، رغم حديث الرئيس السوري أحمد الشرع عن أن القواعد الروسية سوف تصبح معسكرات تدريب، من دون توضيح الآلية أو التوقيت. وإذا صح ذلك، فإنه سيعكس انتقالاً من دور حاسم في القتال إلى دور شريك في إعادة بناء المؤسسة العسكرية.
وفي الجهة المقابلة، تواصل تركيا تثبيت وجودها بوصفه امتداداً لتحالف سياسي وأمني، فيما تبدو إسرائيل من أبرز المستفيدين من إعادة تشكيل المشهد السوري، وهي توسع نطاق حركتها في الجنوب ضمن حسابات تتقاطع فيها المواجهة مع إيران والتوتر مع أنقرة.
وفي ظل غياب العنصر الأميركي، الذي كان يشكل في كثير من الأحيان صمام توازن ضمني، ترتفع احتمالات الاحتكاك، ويزداد الغموض حيال نتائج التنافس التركي–الإسرائيلي وتداعياته.
"قسد" و"داعش"
ضمن هذا التحول، وجدت "قسد" نفسها أمام لحظة حاسمة. فالزيارة السريعة التي قام بها قائدها مظلوم عبدي إلى دمشق بعد ساعات من اكتمال الانسحاب كانت ذات دلالة كبيرة، بدت أقرب إلى استجابة مباشرة للفراغ الذي خلّفته القوات الأميركية، كما أن هذا التزامن قد يشير إلى أن الاتفاق بين الطرفين كان من بين ترتيبات الانسحاب نفسها، أو أنه أشعر قيادة "قسد" بأن هامش المناورة قد ضاق إلى حد بعيد. فما كان ممكناً تحت المظلة الأميركية لم يعد كذلك في غيابها، وهذا بحد ذاته يعيد رسم التوازنات المحلية.
وفي الخلفية، يظل تنظيم "داعش" حاضراً كعامل قلق لا كفاعل غائب. فقد جاء الانسحاب الأميركي بعد حدثين مهمين: استهداف قوات أميركية في تدمر قبل أشهر من الانسحاب، وعودة المتحدث باسم التنظيم في تسجيل صوتي في كانون الثاني/يناير الماضي بعد غياب طويل استمر أكثر من عامين.
وهذا يعني أن الانسحاب لم يحدث في بيئة آخذة إلى الاستقرار، بل في لحظة لا تزال تحمل مؤشرات على أن التنظيم لم يفقد بنيته القتالية بالكامل، رغم أنه كان أحد الأهداف المركزية للتدخل الأميركي. وقد أشارت تقديرات أممية إلى آلاف المقاتلين، ما يطرح تساؤلات جدية عمّن سيتولى مهمة الاحتواء، وإلى أي مدى تستطيع القوات الحكومية الحفاظ على هذا التوازن الأمني الهشّ.
يصعب الجزم بما إذا كان الانسحاب الأميركي من سوريا استجابةً لحسابات الصراع مع إيران أم جزءاً من إعادة تشكيل أوسع للمنطقة. لكن غياب المظلة الأميركية كفيل بإحداث تبدل في موازين اللاعبين داخل الساحة السورية؛ ولعل تصاعد السجال السياسي والأمني أخيراً بين تركيا وإسرائيل أحد المؤشرات الأولى إلى ذلك.




