السبيل – خاص
شكّل مقال الخبير الإسرائيلي يوسي شاين، الأستاذ في جامعتي تل أبيب وجورج تاون، والمنشور على القناة 12، اعترافاً صريحاً من داخل المنظومة الإسرائيلية ذاتها بأن التوازن الذي بُني على مدى عقود في السياسة الأمريكية والدولية قد بدأ يتصدع.
شاين رأى في مقالته أن فوز المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد عن ولاية ميشيغان، بوصفه مرشحاً يعتبر الاحتلال غير شرعي ويدعم مقاومته، مؤشراً على سقوط ما أسماه بـ”حاجز الخوف” من قوة اللوبي اليهودي، ونفوذ إسرائيل في الولايات المتحدة.
ويصف شاين الصهيونية بأنها باتت “أشبه بلعنة دخلت المعجم اللغوي” خاصة بين الشباب وفي الأوساط السياسية الأمريكية. فما كان يُعتبر سابقاً خطاً أحمر – كمعاداة الصهيونية أو انتقاد إسرائيل الجذري – أصبح اليوم مقبولاً سياسياً، بل ومُجدياً انتخابياً، “فقد أصبح من المسموح به، بل والمستحب، كراهية إسرائيل والصهيونية، باعتبارها عنصرية يجب استئصالها” وفق قوله.
ويأتي هذا الاعتراف في سياق أوسع، يشمل صعود شخصيات مثل زهران ممداني، الذي أصبح عمدة لنيويورك، وتزايد أعداد المرشحين المناهضين لإسرائيل في الكونغرس، وتحول “أيباك” الداعمة لإسرائيل إلى “علامة سامة” في بعض الأوساط.
ويرى شاين أن السبب الرئيسي يكمن في سلوك الحكومة الإسرائيلية الحالية، وفي عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وفي العدوانات المستمرة. وهنا يكمن جوهر المسألة. فالاحتلال نفسه، بجرائمه اليومية وسياساته الفاشية، هو الذي يزود خصومه بالذخيرة. والمقاومة الفلسطينية، بكل أشكالها، لم تعد وحدها في ساحة المعركة، فالرأي العام العالمي، وخاصة الأمريكي الشاب، بات يرى الرواية الفلسطينية بوضوح أكبر بعد السابع من أكتوبر 2023، وما تلاه من إبادة جماعية في غزة.
من الردع إلى العزلة
ويحلل شاين “حاجز الخوف” كمفهوم مركزي في العلاقات الدولية والداخلية. هذا الحاجز، الذي بُني على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية، جعل معاداة السامية والصهيونية أمراً مشيناً، وجعل إنكار المحرقة هامشياً.
وبحسب شاين؛ اليوم ينهار هذا الحاجز، تماماً كما انهار في أوروبا الشرقية مع سقوط الشيوعية، أو في جنوب أفريقيا ضد الفصل العنصري. ويقارن الباحث الإسرائيلي ذلك بإخفاق “إسرائيل” في الحفاظ على ردعها أمام “حماس” في أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن فقدان الحاجز يكلف ثمناً باهظاً.
ومن المهم أن نشير إلى أن الانهيار ليس مجرد “سقوط خوف” عفوي.. إنه نتيجة مباشرة لصلابة المقاومة وقدرتها على فضح الرواية الصهيونية.
وعلى المستوى الدولي؛ اعترافات شاين تعني تآكل القدرة الإسرائيلية على فرض إرادتها دون تكلفة. فالدول والمنظمات التي كانت تخشى الرد الإسرائيلي أو الأمريكي باتت أقل تردداً. أما في الشتات اليهودي؛ فيتزايد الشعور بالعزلة، لأن سياسات “تل أبيب” تُلحق الضرر بكل ما بُني منذ 1948.
مستقبل المواجهة
ويؤكد شاين أن أمريكا “لن تعود كما كانت”.. وهذا الاعتراف يعني أن التفوق التدريجي للرواية الفلسطينية بين قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي – خاصة الشباب والأقليات واليسار والوسط وحتى بعض المحافظين السابقين – لم يأت اعتباطا، بل هو ثمرة عقود من النضال، وصمود غزة، وكشف جرائم الاحتلال بالصور الحية، وفشل الآلة الدعائية الصهيونية في السيطرة على السردية بعد أكتوبر 2023.
ومع ذلك؛ يجب الحذر من المبالغة. فاللوبي الصهيوني لا يزال قوياً، والدعم العسكري والمالي مستمر، واليمين الأمريكي التقليدي لا يزال حليفاً. فالانهيار جزئي ومتدرج، ويحتاج إلى استمرارية في الضغط الشعبي والقانوني والدبلوماسي. والمقاومة الفلسطينية ومناصروها مدعوون إلى استثمار هذا التحول عبر تعزيز الرواية الفلسطينية، وبناء التحالفات مع الحركات التقدمية العالمية، والحفاظ على زخم المواجهة في الميدان وفي المحافل الدولية.
وفي الخلاصة؛ مقال يوسي شاين يمثل شهادة من داخل البيت الصهيوني على أن الزمن يتغير. و”لعنة الصهيونية” التي يتحدث عنها ليست إلا انعكاساً لوعي عالمي متزايد بعدالة القضية الفلسطينية وضرورة إنهاء الاحتلال. وما دام الاحتلال مستمراً في جرائمه، وما دامت المقاومة صامدة؛ فإن حاجز الخوف سيستمر في التآكل، ومعه شرعية المشروع الصهيوني نفسه.. وهذا ليس نهاية الطريق، إنما هو بداية مرحلة جديدة أكثر صعوبة على الاحتلال، وأكثر أملاً على طريق التحرر.
The post انهيار “حاجز الخوف” في أمريكا وانعكاساته على مسار التحرر الفلسطيني appeared first on السبيل.

