أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ؟
هُنَا بَيْتُ شعرٍ، لِأَبِي العَلَاءِ المَعَرِّيّ، يُؤَكِّدُ مَعْنَاهُ مَا قِيلَ عَنْهُ، أَنَّهُ «فيلسُوفُ الشُّعَرَاءِ، وَشَاعِرُ الفَلَاسِفَة». يَقُولُ أبُو العَلَاءِ: مُهْجَتِي ضِدٌّ يُحَارِبُنِي أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ المُهْجَةُ: خَالِصُ النَّفْسِ. ومُهْجَةُ كُلِّ شَيْءٍ: خَالِصُه. مُهْجَتِي: نفسي. ضِدُّ: الضِّدُّ كُلُّ شَيءٍ ضَادَّ شَيْئًا لِيَغْلِبَهُ، والسَّوَادُ ضِدُّ الْبَيَاضِ، والمَوتُ ضِدُّ الْحَيَاةِ، وَاللَّيْلُ ضِدُّ النَّهَارِ إِذا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ ذَلِكَ. فِي صَدْرِ البَيْتِ، يُؤَكّدُ المَعَرِّيّ، مَا أَطْبَقَ عَلَيهِ الشُّعَرَاءُ، منذ القِدَمَ، مِنْ أَنَّ النَّفْسَ تَكُونُ حَيْثُ تَضَعُهَا، فَإِنْ أَرْخَيتَ لَهَا العِنَانَ، وَسَلَّمتَ لَهَا القِيَادَ، استَبَدَّتْ وطَغَتْ، وصَارَتْ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهَا، ودَمَارًا لِحَامِلِهَا! فَمِنْ ذَلِكَ، قَوْلُ الشَّرِيفِ الرَّضِي: النَّفْسُ أَدْنَى عَــدُوٍّ أَنْتَ حَاذِرُهُ وَالقَـلْبُ أَعْـظَـمُ مَـا يُبْلَى بِهِ الرَّجُلُ وَقَوْلُ البُوصَيْرِي: وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ وَقْولُ دِعْبَلٍ الخُزَاعِي: هِيَ النَّفْسُ مَا حَسَّـنْتَهُ فَمُحَـسَّـنٌ لَدَيهَا وَمَا قَـبَّحْتَهُ فَمُقَـبَّحُ وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيّ: إِذَا مَا دَعَتْكَ النَّفْسُ يَوْمًا لِشَهْوَةٍ وَكَانَ عَلَيهَا لِلخِلَافِ طَرِيقُ فَخَالِفْ هَوَاهَا مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّمَا هَوَاهَا عَدُوٌّ وَالخِلَافُ صَدِيقُ وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي المَنَاقِبِ، محمد بن محمد بن القَاسِمِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خديُو: إِذَا الْمَرْءُ أَعْطَى نَفْسَهُ كُلَّمَا اشْتَهَتْ وَلَمْ يَنْهَهَا تَاقَتْ إِلَى كُلِّ بَاطِلِ وَسَاقَتْ إِلَيهِ الْإِثْمَ وَالْعَارَ بِالَّذِي دَعَـتْهُ إِلَيهِ مِنْ حَلَاوَةِ عَاجِلِ وَلَعَلَّ أشْهَرَ بَيْتِ شِعْرٍ فِي النَّفْسِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيبٍ الهُذَلِيّ: وَالنَّفْسُ رَاغِـبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْـنَعُ *** إِنَّ أَبَا العَلَاءِ يُقَرِّرُ مِنَ البِدَايَةِ، نتيجةً واضحةً فِي مَوْقِفِ نَفْسِهِ مِنْهُ، وَمَوْقِفِهِ مِنْ نَفْسِهِ، الّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بـِ«مُهْجَتِي»، وَقَالَ: إِنَّهَا تَقِفُ مِنِّي مَوقَفًا تُضَادُّنِي فِيهِ لتَغْلِبَنِي، كَمَا أَصْبَحَتْ لِيْ خَصْمًا وَعَدُوًّا، وهِيَ ضِدٌّ تُحَارِبُنِي. وَإِذْ أَنَّ مُهْجَتِي، وَأَصْلُ نَفْسِي، تَخُوْضُ ضِدِّي حَرْبًا، فمَا طَرِيقُ نَجَاةِ نَفْسِي مِنْ نَفْسِي؟ وَكَيفَ السَّبِيلُ لِسَلَامَةِ رُوْحِي مِنْ رُوْحِي؟ إِنَّ تَحْذِيرَاتِ الشُّعَرَاءِ مِنْ مَخَاطِر النَّفْسِ، وعَدَمِ لَجْمِهَا، تحذيرٌ يُخاطِبُ المَرْءَ قبلَ وُقُوعِ الفَأْسِ فِي الرَّأس، بَيْنَمَا يُحَدِّثُنَا الشَّاعِرُ عَمَّنْ صَارَتْ نَفْسُهُ ضِدًا لَهُ، تُنَاصِبُهُ العَدَاءَ، وأجلبت عَلَيْهِ بِخَيْلِهَا وَرَجِلِهَا، فِي حَرْبِ تَشُنُّهَا عَلَيْهِ بِضَرَاوَةٍ وقَسوَةٍ.فِي عَجْزِ البَيْتِ يَتَسَاءَلُ رَهِينُ المَحْبِسَيْنِ: أَنَا مِنِّي كَيْفَ أَحْتَرِسُ؟ لَيْسَ سُؤَالًا ثَانَوِيًّا، يُطْلِقُهُ صَاحِبُهُ مِنْ مَوْقِعِ رَفَاهِيةٍ فِكْرِيَّة! بَلْ هُوَ سُؤَالٌ عَمِيقٌ يُنبِئُكَ عَنْ حَالةِ ضَعفٍ وقَلَقٍ وحَيرَةٍ حقيقية! فَإِذَا كَانَ الخَطَرُ عَلَى نَفْسِي مِنْ نَفْسِي، فَفِي دَاخِلِ هَذِهِ النَّفْس، أينَ الجُزْءُ الظَّالِمُ، وَأيْنَ الجُزْءُ المَظْلُومُ؟ وَهَلْ تُغَيِّرُ أَجْزَاءُ نَفْسِي أَدْوَارَهَا، فَيُصْبِحُ بَعْدَ حِينٍ، الظَّالِمُ مَظْلُومًا، وَالمَظْلُومُ ظَالِمًا، إمْعَانًا فِي حَيْرَتِي؟! لَعَلَّ السُّؤَالَ الآنِفَ، هُوَ الَّذِي مَهَّدَ لِسُؤَالِ الشَّاعِرِ، فِي عَجْرِ البَيْتِ: أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ؟ كَيْفَ أحْتَرِسُ لِأَحْمِي شَيْئًا مِنْ ذَاتِي؟! فَلَوْ افْتَرَضْنَا، جَدَلًا، أَنَّ مُسْتَحَقَّ الحِمَايَةِ جُزْءٌ مِنَ الذَّاتِ، وَأَنَّ مَنْ يَجِبُ عَلَينَا مَوَاجَهَتُهُ لِتَحْقِيقِ الحِمَايَة، جُزْءٌ آخَرُ مِنْهَا، يَنْبَغِي ألَّا نَنْسَى، بَتَاتًا، أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الذَّاتِ نَفْسِهَا، لَا مِنْ غَيْرِهَا! مَا أَشبَهَ هَذَا، بِقَوْلِ المُتَنَبِّي: فِيكَ الخِصَامُ وَأَنْتَ الخَصْمُ وَالحَكَمُ لَكِنَّ حَالَةَ بَيتِ أَبِي العَلَاءِ أَكثَرُ تَعقِيدًا مِنْ حَالِ بَيتِ أَبِي الطَيِّبِ. إِنَّ هَذِهِ الصُّعُوبَةِ الكُبْرَى، وَهَذَا التَّعْقِيدُ الشَّدِيدُ، هُوَ لُبُّ الخُطُورَةِ، ومَكمَنُ المُعضِلَةِ، فِي انْفِرَادِ النَّفْسِ بِالقَرَارِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَتَوَلِّيهَا الأُمُورَ كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجُلَّهَا، وَاسْتِبْدَادَها بِإِصْدَارِ النَّوَاهِي وَالأَوَامِر.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



