أحمد .م. الزرقان
عاش البرغوثي في القدس لحظات حب وعشق، فقد وجد محبوبته التي كان يبحث عنها بغرام ووله ووجد وحنين، فقال: لا داعي للزواج وأنا أعيش معها وفيها ولها، وأسكن فيها، وكتب قصيدته الحزينة للقدس، ونحن نختار منها أبياتاً معبرة:
في القدس ما عاد للانتظار مكان .. في القدس غُرست أنياب الطغيان .. في القدس غُرس الصهاينة والإستيطان .. في القدس ما عاد يسمع صوت الأذان .. في القدس ما عاد للانتظار مكان .. في القدس ما عاد للحجارة ثمن .. في القدس غُرس عطش الظمآن .. في القدس غُرس قلب حزين .. في القدس غُرس جثمان المجاهدين. ثم صلى الجمعة في الأقصى الجريح، وبعد الصلاة صلى الناس على شهيد طعنه مستوطن لئيم بلا سبب، وبعد الصلاة رفع الناس عقيرتهم بالتكبير والتهليل، والهتاف [ الانتقام الانتقام يا كتائب القسام]، وكرر معهم هذا الهتاف بقلبه لا بحنجرته، وهو يفكر في كيفية الانتقام، ثم أصبح هذا الهتاف هو محور حياته القادمة في كيفية الانتقام والثأر من هذا العدو المجرم الجبان، وبعدها ذهبوا للصلاة في الخليل، وهناك قصوا عليه كيف تم استهداف الناس في صلاة الفجر وهم سجودا لله بمجزرة جبانة دنيئة، وكيف ثأر لهم المهندس الشهيد البطل يحيى عياش في عدة عمليات استشهادية موجعة ومؤلمة للعدو
كانت هذه القصص تحفر في عقله الباطن أنه يجب أن يكون مثل هذا البطل الشجاع الجريء المنتقم لدماء الشهداء، وقد جاشت عاطفته بالحب الجارف للشهيد يحيى عياش وبطولاته النادرة، ثم ذهب إلى رام الله ووجد فيها قطعان حرّاس اليهود من سلطة أوسلو يمنعون بالقوة الشباب الفلسطيني من التظاهر مجرد التظاهر نصرة للشهداء، والتعبير عن أملهم بالانتقام من هذا العدو المجرم المحتل. فكتب أبيات يُعبر عن هذه الحالة البئيسة والمحزنة:
رام الله قومي استيقظي أرجوك .. وأيقظي كل من أحبوك .. أحزينة أنت فأبكوك .. على الشهداء الذين ودعوك .. وتحالفوا مع المحتل فبالظهر طعنوك . رام الله قومي استيقظي أرجوك. ثم أخذه صديقه الثري إلى المدن المحتلة المنهوبة المسلوبة حيفا ويافا واللد والرملة والناصرة، وفي مطعم على البحر كانا يأكلان السمك المشوي الذي يعبق برائحة بحر حيفا وعبير برتقالها ذو الرائحة الجميلة الجذابة، ووقف عبدالله وأخذ يخاطب البحر ويقول: [أقسمت لك أيها البحر أن أحرر فلسطين كل فلسطين من الصهاينة المجرمين، وعملائهم أشباه الرجال من سلطة أوسلو الرعاديد]. ففر صديقه من المكان المليء بالناس خوفا من نتائج ما يقول، ثم لما رجع استحلفه بالله ألا يكررها، ولكنه في نهاية اللقاء وقف أمام البحر وكرر نفس كلامه باللغة الكورية، ثم أوصله صديقه إلى قريته ريما في ساعة متأخرة من الليل، وتفاجأ أن والده وأبناء عمومته ينتظرونه على بوابة القرية، وكانوا جدّ قلقين عليه ظناً منهم أنه قد اعتقل، فقال لأبيه: لمَ كل هذا القلق؟! فقال: يا ولدي أنت مثل حد السيف، والسلطة باعت البلد لليهود بثمن بخس، وحولت كل سيوفنا إلى محاريث لخدمة هذا العدو اللعين، قال: ودخلت مع أبي إلى قلعة جد جدي بناء قديم ذات جدران جدّ سميكة، وكنت قد عزمت ألا أتزوج لكي أتزوج قضية تحرير الإنسان الفلسطيني ثم تحرير الأرض، وأتفرغ لهما.
وفي الصباح أحضر لي والدي طعام الفطور على طبق من قش مزركش بيضاً مقلياً يغوص في زيت الزيتون وزعتراً بلدياً وجبنة غنم وخبز طابون، وكانت هذه الوجبة البسيطة بنكهة فلسطينية يعبق فيها التاريخ هي ألذ وجبة أكلتها في حياتي، وما زالت لذة طعمها تحت أسناني، وبعد أن استقبلت وفود المهنئين من القرية، أخذني والدي بناء على توصية أمي لكي أنظر إلى العروسة التي اختارتها لي حيث كانت أمي دائمة الدعاء لي بظهر الغيب أن أوافق، وأنا رغم أنني كنت عازماً على الرفض لأجل التفرغ لمشروعي، لكن ما إن رأيت هذه الفتاة حتى وقع حبها في قلبي، وسحرتني بعيونها الناعسة الخجولة، وأدبها الجم، وأنوثتها الغامرة، فوافقت رأسا لكي أفرح أمي وأبي الذين يحلمان ليل نهار أن يروا أحفادهم قبل أن يحصل لي ما لا يُحمد عقباه، ثم رجعت لعمان وبعد مدة جاءت العروس لعمان وتم الزواج من زوجة كاملة متكاملة، وعشنا حياة عمادها الحب والاحترام والتفاهم، ولكنني رغم وضعي المادي المريح، وكنت أملك كل أسباب العيش الكريم والرفاهية، إلا أن عشق القدس ما زال يرن في مخيلتي ونفسي، فرجعت للقدس لكي أعمل فيها في مصنع للفولاذ المصهور لصديقي الثري، ولم يكن العمل هو همي بقدر ما كنت أفكر فيه كيف يمكن أن أبدأ مشروعي الجهادي النضالي ضد هذا العدو المجرم وأعوانه من سلطة العار والخزي، وهناك استعدت مهاراتي كهكر، واستطعت أن أخترق كل شبكات الاتصالات للعدو والسلطة، وكنت أسترق السمع لما يجري بينهما من أخبار وعمالة ونذالة، ثم في قريتنا ووديانها بدأت عملية التصنيع بكل صمت وهدوء، وفي العطل كنت أمارس هواية اعرف وطنك من أم الرشاش جنوبا إلى حيفا والجولان شمالا، ثم عملت صيانة لقلعة والدي، وعملت نظام الطاقة الشمسية على السطح، واستقدمت زوجتي الحامل لكي يكون مولودنا الأول على ثرى فلسطين، وفتحت في قريتنا محل أدوات كهربائية، ومحل سوبر ماركت، وكراج لبيع السيارات المستعملة الكورية، لكي أظهر نفسي أمام الناس كتاجر ومستثمر حتى أخفي حقيقة مشروعي، وفي 27/9/1999 رزقنا الله بنتاً في المستشفى في رام الله أسميتها (تالا) وهذا الاسم يعني لغة النخلة الصغيرة أو الحسناء المشرقة.
ولنا وقفة أخرى مع سيرة هذا البطل المُلهِم المغوار.
The post “أمير الظل”.. ملهم الأجيال وعقدة العدو عبد الله البرغوثي/ (3) appeared first on السبيل.




