أمريكا تعيد النظر في المينورسو .. تحوّل جديد في ملف الصحراء المغربية
حين تعلن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب أنها تراجع مستقبل بعثة المينورسو، فالأمر لا يتعلق بتفصيل تقني داخل منظومة الأمم المتحدة، ولا بمجرد نقاش مالي حول كلفة عمليات حفظ السلام.
ما يجري في العمق هو إعادة نظر في إحدى أقدم أدوات تدبير ملف الصحراء المغربية، وفي جدوى استمرار بعثة ارتبط وجودها بصيغة أممية استهلكها الزمن وتجاوزها الواقع السياسي.
ومن هنا تكتسي الإشارة الأمريكية الأخيرة أهميتها، لأنها تأتي في لحظة لم يعد فيها هذا الملف يتحرك داخل الإحداثيات القديمة نفسها، بل داخل ميزان دولي يتجه أكثر فأكثر نحو تضييق هامش الجمود ودفع المسار الأممي إلى التكيف مع واقع جديد تشكل بوضوح لصالح المغرب.
وقد أعلن مايك والتز أن واشنطن تدرس مراجعة استراتيجية لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، مبرزا أن هذه القوة توجد هناك منذ نحو خمسين عاما، وأن تجديد ولايتها لا ينبغي أن يظل مجرد إجراء تقني متكرر، بل يجب أن يرتبط بمسار سياسي واضح وبمدى الإسهام في تحقيق نتائج ملموسة.
كما شدد على أن بعثات حفظ السلام الطويلة الأمد لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لاستمرار النزاع بدل الدفع نحو حله، في إشارة مباشرة إلى أن المينورسو دخلت بدورها دائرة التقييم الأمريكي الصريح.
غير أن هذا التطور لا ينبغي عزله عن مساره الحقيقي، لأن ما يجري جاء نتيجة مباشرة لتراكم سياسي ودبلوماسي صنعه المغرب نفسه بقيادة الملك محمد السادس، حين اختار نقل القضية من منطق التدبير إلى منطق التغيير، ومن رد الفعل إلى المبادرة والحزم والاستباقية.
هذا التحول الاستراتيجي هو الذي أعاد تشكيل البيئة الدولية المحيطة بالملف، وجعل الأمم المتحدة نفسها، ثم العواصم الكبرى، تتعامل مع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لا كأحد الخيارات، بل كأساس الحل الوحيد والنهائي القابل للتطبيق.
هذا المعنى يتضح أكثر إذا استُحضر القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025. القرار لم يكتف بتمديد ولاية المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، بل طلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية لولاية البعثة في غضون ستة أشهر، مع أخذ تطورات العملية السياسية بعين الاعتبار.
والأهم أن القرار دعا الأطراف إلى استئناف المفاوضات على أساس مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، من أجل التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم.
في القراءة المغربية، لم يكن هذا القرار مجرد محطة أممية عادية، بل منعطفا تاريخيا، إذ أكد الملك محمد السادس في خطاب 31 أكتوبر 2025 أن المغرب دخل “مرحلة الحسم على المستوى الأممي”، وأن المملكة ستقوم بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي وتقديمها للأمم المتحدة “لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق”.
وبعد أيام قليلة، جاء بلاغ للديوان الملكي ليجعل 31 أكتوبر من كل سنة “عيد الوحدة”، اعتبارا للتحول التاريخي الذي عرفه مسار القضية الوطنية والتطورات الحاسمة التي حملها القرار 2797. هنا تحديدا تتضح الزاوية التي يجب أن يُقرأ منها القرار، باعتباره تتويجا لمسار مغربي صاعد، واثق وذو مصداقية.
ومن هذه الزاوية بالذات، فإن المراجعة الأمريكية للمينورسو تكتسب معناها الحقيقي. فالبعثة أُنشئت سنة 1991 في سياق وقف إطلاق النار ومواكبة مسار استفتاء لم يعد قائما لا عمليا ولا سياسيا، بعدما تجاوزه الواقع وفقدت فرضيته الأممية قابليتها للتنفيذ.
وعلى مدى سنوات طويلة، تحولت المينورسو أكثر إلى أداة لتدبير الانتظار والجمود بدل أن تكون أداة لتقريب الحل.
أما اليوم، وبعد أن ثبت القرار 2797 قاعدة التفاوض على أساس الحكم الذاتي المغربي، صار من الطبيعي أن تُطرح أيضا مسألة إعادة تعريف وظيفة البعثة نفسها. بمعنى آخر، حين تتغير مرجعية الحل، لا يمكن أن تبقى أداة إدارته أسيرة المرجعية القديمة.
ومن هنا تبدو المراجعة الاستراتيجية امتدادا منطقيا للتحول السياسي الذي فرضه المغرب على الملف، لا بداية هذا التحول.
ولأن القضية لم تعد تتحرك داخل الإطار القديم، فقد ظهرت خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات أخرى تؤكد أن المسار الأممي نفسه بدأ يضيق الخناق على منطق المراوحة.
من أبرز هذه المؤشرات المشاورات التي قادتها واشنطن بين المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، بحضور مسؤولين أمريكيين وأمميين، والتي احتضنتها السفارة الأمريكية في مدريد في فبراير 2026، قبل أن تتواصل المساعي لاحقا في واشنطن.
أهمية هذه اللقاءات لا تكمن فقط في انعقادها، بل في أنها كرست من جديد صيغة الطاولة المستديرة، وأعادت تأكيد الجزائر طرفا أساسيا لا مجرد “بلد ملاحظ”، كما أنها جرت في مناخ سياسي باتت فيه المبادرة المغربية هي الأرضية العملية الوحيدة المطروحة للنقاش الجدي.
وحتى حين أحاط التكتم الرسمي بجزء من التفاصيل، فإن المؤشرات التي رشحت من هذه اللقاءات أكدت بأن النقاش لم يعد يدور حول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل حول سبل الدفع نحو تسوية نهائية انطلاقا من المرجعية الجديدة التي رسخها القرار 2797 والدعم الدولي المتنامي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وهذه، في حد ذاتها، إشارة إيجابية لصالح المغرب، لأن من يكسب معركة المرجعية يكسب جزءا كبيرا من معركة المآل.
وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا التطور مع اتساع الدعم الدولي الصريح للمبادرة المغربية، فالولايات المتحدة لم تكتف منذ دجنبر 2020 بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، بل واصلت تأكيد أن الحكم الذاتي الجاد والواقعي وذي المصداقية تحت السيادة المغربية هو الأساس الوحيد لحل عادل ودائم.
وفرنسا ذهبت بدورها إلى تثبيت أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان ضمن السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي داخل هذه السيادة هو الإطار الذي يجب أن تُحل فيه القضية.
وبريطانيا أعلنت في بيانها المشترك مع المغرب في يونيو 2025 أنها تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبرغماتية والأقرب لتسوية هذا النزاع”، مع تأكيد الحاجة الملحة إلى المضي في هذا الاتجاه.
أما إسبانيا، فواصلت تثبيت موقفها القائم على اعتبار المبادرة المغربية “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع”.
وعندما تتجمع هذه المواقف، إلى جانب مواقف دولية أخرى لصالح المغرب، مع مضمون القرار 2797، فإن الصورة تصبح شديدة الوضوح، إذ لم يعد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مجرد مقترح قوي، بل صار في الواقع السياسي والدبلوماسي الأساس الوحيد للحل، وما عداه ليس سوى محاولة لإطالة عمر نزاع فقد مرتكزاته الواقعية.
هذا التحول الدولي لم يأت من فراغ، بل نتيجة لاستراتيجية مغربية طويلة النفس قادها الملك محمد السادس بوضوح وحزم.
ففي خطاب افتتاح السنة التشريعية في أكتوبر 2024، ذكّر الملك بوضوح أنه قال منذ اعتلائه العرش إن المغرب سيمر في قضية وحدته الترابية من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا وفي كل أبعاد هذا الملف، ودعا إلى الانتقال من مقاربة رد الفعل إلى أخذ المبادرة والتحلي بالحزم والاستباقية.
وهذا بالضبط ما تحقق لاحقا على الأرض، فالمغرب لم ينتظر أن تمنحه الأطراف الأخرى مخرجا، بل أعاد بناء موازين الملف بنفسه، عبر توسيع قاعدة الاعتراف والدعم، وتحويل الحكم الذاتي من عرض تفاوضي إلى مرجعية سياسية دولية، وجعل خصومه يتحركون داخل ملعب لم يعودوا هم من يرسم حدوده.
والأبعد من ذلك أن الضغط الأمريكي لم يعد سياسيا فقط، بل بدأ يكتسب بعدا أمنيا موازيا، فخلال 2025 و2026 تصاعد داخل الكونغرس النقاش حول فحص مدى استيفاء البوليساريو لشروط التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية، في ضوء مشاريع قوانين طُرحت في مجلس النواب ثم في مجلس الشيوخ، مع ربط متزايد بين الكيان الانفصالي وإيران وشبكات الوكلاء المسلحين.
وفي الوقت نفسه، صدرت تقارير وتحليلات أمريكية جديدة لتدق ناقوس الخطر بشأن التمدد الإيراني في شمال إفريقيا عبر البوليساريو.
وحين يجتمع تثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس حصري للحل، مع مراجعة وظيفة المينورسو، ومع تصاعد مساءلة البوليساريو أمنيا، فهذا معناه أننا لم نعد نعيش مجرد تعديل في إدارة الملف، بل انتقالا إلى مرحلة تضييق شامل على كل ما كان يسمح باستمرار الصيغة القديمة.
ولهذا كله، فإن المراجعة الأمريكية للمينورسو لا ينبغي أن تُقرأ كخبر تقني عابر، إنها، في العمق، علامة إضافية على أن العالم يتحرك أخيرا داخل الإحداثيات التي عمل المغرب على فرضها بصبر ووضوح وحنكة.
الصيغة القديمة التي كانت تسمح بالتمديد والمراوحة والتعويم لم تعد محصنة، والبعثة التي ارتبطت بها دخلت بدورها زمن المراجعة.
أما الصيغة الجديدة، فقد باتت أكثر وضوحا من أي وقت مضى، قوامها حل سياسي نهائي يقوم حصريا على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وبين هاتين الصيغتين، لا يبدو أن ميزان المرحلة يميل إلا في اتجاه واحد، وهو اتجاه المغرب.
The post أمريكا تعيد النظر في المينورسو .. تحوّل جديد في ملف الصحراء المغربية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





