لكن ما تكشفه هذه اللحظة لا يتعلق فقط بالأرقام المزلزلة ولا بمصادر الوقود، بل بثقافة إدارة قطاع الطاقة نفسها، لأن الحديث عن البدائل المحلية لم يبدأ اليوم، بل كان موضوعا دائما في نقاشات الخبراء والمتخصصين في الأردن منذ سنوات طويلة، خصوصا في مجالات الطاقة النظيفة والخضراء، حيث جرى التأكيد مرارا على أن الاستثمار في الشمس والرياح وتحسين كفاءة الطاقة ليس ترفا بيئيا، بل خيار استراتيجي لتقليل الاعتماد على الخارج، ولتعزيز الاستقلال الاقتصادي في بلد محدود الموارد، لكن هذه الرؤية كانت تتقدم ببطء شديد بسبب التعقيدات الإدارية وتداخل الصلاحيات وغياب القرار الحازم القادر على تحويل الخطط إلى مشاريع تنفيذية.
ومن المهم هنا أن تتم الإشارة بوضوح إلى مؤسسات خبرة وطنية لعبت دورا مهماً في بناء المعرفة وتقديم المقترحات العملية، وفي مقدمتها "جمعية إدامة"، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى مرجعية مهنية في ملفات الطاقة والمياه والبيئة، وقدمت دراسات وسياسات عملية حول تعزيز الاستقلال الطاقي، وطرحت منذ سنوات بدائل واقعية للطاقة المتجددة وكفاءة الاستخدام، في وقت كانت فيه هذه الأفكار تواجه تباطؤا إداريا أكثر مما تواجه اعتراضا فنيا، وهي مقترحات لم تكن تنظيرا أكاديميا بقدر ما كانت محاولة مبكرة لتقليل المخاطر التي ظهرت اليوم بوضوح مع اندلاع الحرب.
المفارقة أن كثيرا من هذه الأفكار كانت متاحة منذ سنوات، وكانت تحظى بدعم فني ومهني واضح، لكنها كانت تتقدم ببطء بسبب تردد إداري أو حسابات مالية قصيرة المدى، في وقت كانت فيه المنطقة تتجه تدريجيا نحو مزيد من عدم الاستقرار، واليوم، مع اندلاع الحرب على إيران، تبدو تلك التحذيرات، وبأثر رجعي، وكأنها قراءة استشرافية لما يحدث الآن، لأن الأزمة لم تثبت فقط أهمية تنويع مصادر الطاقة، بل أثبتت أيضا أن الوقت الذي يضيع في البيروقراطية يصبح كلفة مباشرة في زمن الحرب.
الخطر الأكبر في هذه المعادلة لم يكن اقتصاديا فقط، بل تجاوزه إلى المربع الأمني الحساس، لأن الحرب نقلت منشآت الطاقة من خانة المرافق الخدمية إلى خانة الأهداف المحتملة في أي مواجهة إقليمية واسعة، ومع تصاعد التهديدات الإيرانية باستهداف بنى الطاقة والمياه في المنطقة، دخلت محطات الكهرباء والموانئ وخطوط النقل في دائرة الحسابات الأمنية، حتى في الدول التي لا تشارك في الحرب بشكل مباشر.
الأردن هنا يقف في موقع حساس، لأنه يعتمد على عدد محدود نسبيا من محطات التوليد الكبرى، وعلى مرفق استراتيجي رئيس لاستقبال الغاز المسال في العقبة، ما يجعل أي تهديد لهذه المنشآت ذا تأثير مضاعف، ليس فقط على قطاع الطاقة، بل على الاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي، لأن الكهرباء في النهاية ليست خدمة تقنية، بل شرط أساسي لعمل الدولة نفسها.
لهذا السبب، فإن ما كشفته الحرب على إيران ليس خللا في منظومة الطاقة الأردنية بقدر ما كشف حدود نموذج الاعتماد على الاستيراد في بيئة إقليمية غير مستقرة، فالدولة تستطيع أن تدير الأزمة ليوم أو لأسبوع أو لشهر، لكنها لا تستطيع أن تبني استقرارا طويل الأمد على سوق طاقة عالمي متقلب، ولا على جغرافيا إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد، تصعيد لا تبدو له سقوف واضحة حتى الآن.
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه الأردن اليوم ليس في كيفية توفير الكهرباء، فهذه مهمة نجح في تحقيقها حتى الآن، بل كيف يحول هذه اللحظة إلى نقطة تحول حقيقية في سياسات الطاقة، عبر تحرير مشاريع الطاقة المحلية من التعقيد الإداري، وتسريع الاستثمار في المصادر النظيفة، والاستماع بجدية إلى بيوت الخبرة الوطنية التي حذرت منذ سنوات من هذا السيناريو، لأن الدولة التي تتعلم من أزماتها قبل أن تتكرر، هي الدولة التي تستطيع أن تحافظ على استقرارها في عالم لم يعد مستقرا كما كان.


