عنب بلدي – أمير حقوق
لم يكن إعلان وجود “عدة أطنان” من اليورانيوم الطبيعي في سوريا العنوان الوحيد لزيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إلى دمشق، بل جاء الإعلان في لحظة تحاول فيها سوريا الانتقال من التعامل مع إرث نووي يعود إلى عهد النظام السابق، إلى بناء علاقة جديدة مع الوكالة تقوم على التعاون والشفافية.
وخلال لقائه وزير الخارجية، أسعد الشيباني، في 18 من آب الحالي، تحدث غروسي عن طي صفحة الماضي وبدء مرحلة جديدة من التعاون، فيما أكدت دمشق استعدادها للتعاون مع الوكالة وتمسكها بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
وتفتح هذه التطورات أسئلة تتجاوز وجود اليورانيوم نفسه: ماذا تعني هذه الكمية علميًا وأمنيًا وسياسيًا؟ وهل يعني الحديث عن طي صفحة الماضي أن الملف النووي السوري أُغلق فعلًا؟ وما الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق من التعاون مع الوكالة؟ وأين تقف حدود حقها في تطوير برنامج نووي سلمي؟
اليورانيوم الطبيعي.. رمزية عسكرية أم سياسية؟
وجود اليورانيوم الطبيعي في موقع سوري غير معلَن يعيد ملف الأنشطة النووية السابقة إلى الواجهة، بعد سنوات بقي خلالها هذا الملف من القضايا العالقة بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال عهد النظام السابق.
وقال الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، إن الإعلان لا ينبغي التعامل معه بوصفه دليلًا على امتلاك سوريا قدرة نووية عسكرية، بل باعتباره كشفًا عن جزء من ملف موروث يحتاج إلى معالجة شفافة ومهنية.
وأضاف العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، أن الوكالة تريد معرفة مصدر المواد وسبب وجودها في موقع لم يكن معلنًا، وصلتها بالأنشطة النووية السابقة، معتبرًا أن فتح الموقع أمام المفتشين وإتاحة الجرد والتحقق يمثلان خطوة سياسية مهمة، لأن دمشق تنتقل من موقع الدفاع عن ملف غامض إلى موقع المبادرة في معالجته.
الإعلان عن وجود أطنان من اليورانيوم الطبيعي في سوريا لا ينبغي التعامل معه كدليل على امتلاك سوريا قدرة نووية عسكرية، بل باعتباره كشفًا عن جزء من ملف موروث يحتاج إلى معالجة شفافة.
الدكتور سمير العبد الله
باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
يوافقه الرأي الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، معتبرًا أن الرقم لا ينبغي تضخيمه، لأن الحديث عن يورانيوم طبيعي وليس يورانيوم عالي التخصيب، وبالتالي فإن وجود عدة أطنان لا يعني امتلاك قدرة عسكرية نووية.
وأوضح فاخوري، في حديث إلى عنب بلدي، أن الأهمية سياسية بالدرجة الأولى، إذ إن كشف المواد والسماح للوكالة بالتحقق منها يعكسان رغبة في الشفافية وتحويل ملف قديم ومثير للشكوك إلى ملف خاضع للرقابة الدولية.
“طي صفحة الماضي”.. ماذا يعني؟
وصف غروسي المرحلة الجديدة بأنها طي لصفحة الماضي وبدء صفحة جديدة مع سوريا، وهنا يبرز السؤال حول الدلالة السياسية لهذا التحول، وما إذا كان يمثل بداية فعلية لإنهاء الملف الموروث من المرحلة السابقة.
ويرى الدكتور سمير العبد الله أن طي صفحة الماضي سيبقى مشروطًا، فالملف لم يُغلق بعد، وإنما بدأ مسار يمكن أن يقود إلى إغلاقه إذا استكملت سوريا التزاماتها وقدمت المعلومات والوثائق المطلوبة وسمحت للوكالة بإتمام التحقق.
وأضاف أن ذلك قد يتيح لمجلس المحافظين إعادة النظر في ملف عدم الامتثال الموروث من مرحلة النظام السابق.
أما فاخوري فيرى أن حديث غروسي مؤشر سياسي مهم على دخول العلاقة بين دمشق والوكالة مرحلة جديدة، تحاول فيها سوريا الفصل بين الدولة الحالية والإرث النووي للنظام السابق.
لكنه يؤكد أن الملف القديم لم يُغلق نهائيًا من الناحية الفنية، وأن الوكالة لا تزال تستكمل عملية التحقق.
حديث غروسي عن طي صفحة الماضي مؤشر سياسي مهم على دخول العلاقة بين دمشق والوكالة مرحلة جديدة، تحاول فيها سوريا الفصل بين الدولة الحالية والإرث النووي للنظام السابق.
الدكتور عامر فاخوري
خبير في العلاقات الدولية
ماذا تستفيد سوريا من التعاون؟
مع عودة التعاون بين دمشق والوكالة، يبرز سؤال حول ما يمكن أن تحصل عليه سوريا عمليًا من هذا المسار.
يرى العبد الله أن المكاسب المحتملة لسوريا تشمل تطوير خدمات علاج السرطان والطب النووي، وتحسين الأمن الغذائي والزراعة، واستخدام التقنيات النووية في إدارة المياه، إلى جانب تأهيل الكوادر، وبناء منظومة وطنية للسلامة والرقابة.
وأشار فاخوري كذلك إلى إمكانية حصول سوريا على دعم وخبرات في الطب النووي وعلاج السرطان، والزراعة والمياه، والسلامة الإشعاعية، وتدريب الكوادر.
وعلى المدى البعيد، يرى أن سوريا يمكن أن تطور برنامجًا للطاقة النووية السلمية إذا توفرت الإمكانات والتمويل والضمانات الدولية.
برنامج نووي سلمي.. أين تقف الحدود؟
بين تأكيد الوزير الشيباني حق سوريا في امتلاك برنامج نووي سلمي واستمرار الالتزامات الدولية، يطرح التصريح تساؤلات حول دلالاته السياسية وتبعاته على علاقة سوريا بالمجتمع الدولي.
ويرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن هذا الحق قانوني ومشروع، لكن ترجمته العملية تحتاج إلى شفافية كاملة وتمويل، وتشريعات وكفاءات، وجدوى اقتصادية.
ويتفق الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري مع ذلك، مؤكدًا أن سوريا تملك هذا الحق طالما أن البرنامج سلمي ويخضع للضمانات الدولية، موضحًا أن المشكلة ليست في وجود برنامج سلمي، وإنما في طبيعته وحدوده.
ويعتبر أن إسرائيل ستكون الأكثر حساسية تجاه أي تطور نووي سوري، خصوصًا إذا اتجهت سوريا مستقبلًا نحو تقنيات حساسة مثل تخصيب اليورانيوم، بينما من المرجح أن تقبل الولايات المتحدة وأوروبا ببرنامج سلمي شفاف وخاضع بالكامل لرقابة الوكالة.




