وعليه، فهو ليس اسما لمرحلة من مراحل التاريخ، ولا وصفا لوضع يمكن إدراجه ضمن سردية الانحدار أو التعافي، بل اسم لانقطاع أعمق: انقطاع في إمكان الفهم ذاته. فإذا كنا نقيس الانحطاط على ماض نتخيله ذهبيا، ونقيس الأزمة على مستقبل نرتقب فيه استعادة التوازن، فإن التردي يضعنا خارج كل أفق للقياس، لأنه لا يمس ما يقع داخل المنظومة، بل ما يجعل المنظومة ممكنة أصلا.
عند هذه النقطة، لا يعود الخلل قابلا للتشخيص، ولا الاختلال قابلا للتعيين، إذ لا يعود هناك ما يضمن ثبات المعايير أو استمرارية المرجعيات. فكأننا لا نواجه وضعا مختلا، بل وضعا فقد حتى القدرة على أن يدرك بوصفه مختلا. وهنا تحديدا تكمن خطورته: ليس في شدته، بل في شفافيته، ليس في عنفه، بل في قابليته لأن يعاش كأمر عادي.
لذلك، لا يفهم التردي بوصفه سقوطا، لأن السقوط يفترض علوا، ولا بوصفه أزمة، لأن الأزمة تفترض أفقا للحل، بل بوصفه حالة تتبدد فيها إمكانات التمييز نفسها: بين الأعلى والأدنى، بين السليم والمختل، بين ما ينبغي وما هو كائن، بين القيمة والواقع. إنه، بهذا المعنى، ليس انحرافا عن نظام، بل تلاشٍ لفكرة النظام ذاتها.
فكأن هذا المفهوم ينفي عن الواقع كل حركية، وهو يكاد يعكس يأسا مطلقا، وربما، لأجل ذلك، فهو أقرب تلك المفهومات إلى تشخيص الراهن، ليس راهننا فحسب، وإنما ربما الراهن بإطلاق.
وإذا حصرنا الأمر في راهننا، فيمكن أن نجزم أن هذا اليأس هو ما نلمسه بالضبط إن نحن حاولنا متابعة تطور المفهومات التي عكست، وما زالت تعكس مآل الآمال التي علقت على مستقبل واقعنا، والخيبات المتواترة التي عرفتها الأجيال التي توالت منذ عهود الاستعمار. فمنذئذ والأجيال تقلص من طموحاتها شيئا فشيئا تماشيا مع تقلبات الأحوال، وانسداد الآفاق.
نلمس ذلك على الخصوص عند الجيل الذي فتح أعينه على الاستعمار، فقد كان هذا الجيل جيل التنازلات بلا منازع، وقد كانت تنازلاته عن الأحلام أكثر مما كانت تنازلات عن المبادئ. فهو لم يفتأ يتقبل التقلبات التي عرفها طيلة حياته. وقد حاول جهد الإمكان أن يتفهمـها، فعمل ما استطاع على تقليص مطامحه، وتعديل جهازه المفهومي، وتنقيح قاموسه السياسي. فإن كان بعد الاستقلالات قد تغنى بمفهومات الرفض والثورة والتغيير والقطيعة، فإنه قبل أن يستعيض عنها فيما بعد، بمفهومات أكثر اعتدالا، فأخذ يتحدث عن التوازن والحوار والوفاق والتفاوض والتفهم. إن كان في وقت مضى قد نشد مجتمعا عادلا تحكمه المساواة، فقد استعاض عنه في وقت لاحق بمجتمع أقل ظلما وفقرا ومرضا. إن كان في وقت سابق قد اعتبر أن التحديث لا يمكن أن يكون إلا انفصالا عن التقليد، وأن التجديد لا يمكن أن يكون إلا "تبدلا بالجملة"، فإنه غدا يطالب بجملة من التبديلات لا تطول بالضرورة الكل، ولا تلحق الأسس، محاولا أن يقنع نفسه أن الأمر يتعداه، وأنه يعود إلى "أزمات كونية" لا يملك أحد أمامها حيلة ولا قوة.
ما عرفته بلداننا من "انتفاضات" لم يكن إلا تمردا على هذا الحد من أفق الأحلام، وهذا التضييق من سعة المطامح، وهذا التكييف المتواتر للجهاز المفهومي، وهذا التنقيح للقاموس السياسي. كانت تلك الحركات محاولة لفتح الانسداد الذي سجن واقعنا داخل أفق مغلق، وقد قادها شباب من طينة جديدة يعرفها العصر: شباب البطالة المتعلمة. وهم شباب من غير مشروع، ولا ارتباط: فهم لا يرتبطون عقائديا ولا قوميا بل ربما حتى حزبيا. ما كان يوحدهم هو شعور التهميش القوي وما يترتب عنه من "حكرة" كما تبلور في شعارات بعض البلدان.
كل أشكال التمرد هذه، أصبحت اليوم بلا خارطة جيوسياسية. فلقد اختلطت عليها الأوراق، وتفككت الأحلاف، والتبست الأمور. حتى الرمزيات المعتمدة لم تعد هي الرمزيات المعهودة، أي تلك التي كرسها الوعي الوطني والقومي فيما قبل، والتي انتصبت أمام آخر محدد، سمي الاستعمار في وقت، ثم الصهيونية فالإمبريالية فالتخلف فالتقليد.





