منذ سنوات، تركز نصائح الصحة العامة على رسالة بسيطة ألا وهي تقليل الجلوس وزيادة الحركة البدنية.
وفيما تبدو نصيحة سليمة ظاهرياً، غير أن نتائج دراستين جديدتين تشير إلى أن شدة التمرين ربما تكون بنفس أهمية مدته.
فوفق موقع Psychology Today، استخدمت كلتا الدراستين بيانات جُمعت من نحو 100 ألف مشارك في بنك البيانات الحيوية في بريطانيا. وتمت متابعتهم لسنوات عديدة حيث تم رصد مستويات نشاطهم عبر أجهزة تتبع اللياقة البدنية القابلة للارتداء، ما يوفر للباحثين بيانات موضوعية بدلاً من الاعتماد على سجلات التمارين المبلغ عنها ذاتياً.
"متغير حاسم"
وبينما حللت فرق البحث نفس المجموعة السكانية، فإن اختلاف "مناهج التحليل" يبرز سبب كون شدة التمرين متغيراً حاسماً للصحة على المدى الطويل.
فمن خلال دراسة نفس المجموعة المكونة من 100 ألف شخص باستخدام مقاييس قياس مختلفة، تقدم هاتان الدراستان صورة أشمل لكيفية مساهمة الحركة في الوقاية من الأمراض وإطالة العمر.
حيث تركز الدراسة الأولى، بقيادة الباحث جيهوا وي وزملائه من جامعة سنترال ساوث الصينية، على "الحجم مقابل الكثافة". فمن خلال فصل النشاط البدني المكثف عن النشاط البدني المعتدل ضمن فئة النشاط البدني المعتدل إلى المكثف، اكتشف الباحثون أنه بالنسبة لنفس الحجم الإجمالي للحركة، كان الأفراد الذين يمارسون نشاطاً أكثر كثافة أقل عرضة للإصابة بثمانية أمراض مزمنة رئيسية.
(آيستوك)
(آيستوك)
كما قالت الباحثة الرئيسية في الدراسة مينكسو شين في بيان صحافي، إنه "يبدو أن النشاط البدني المكثف يحفز استجابات محددة في الجسم لا يستطيع النشاط البدني الأقل كثافة محاكاتها بالكامل".
وتفرض التمارين الرياضية عالية الشدة متطلبات فريدة على الجهاز القلبي الوعائي والعضلات الهيكلية، ما يعزز اللياقة القلبية التنفسية والقدرة الأيضية. كما ترتبط فترات قصيرة من التمارين الرياضية المكثفة بتقليل المخاطر في الحالات الصحية الثمانية التالية:
1. أمراض القلب والأوعية الدموية: انخفاض معدل الإصابة بأمراض القلب الخطيرة والسكتة الدماغية.
2. الرجفان الأذيني: انخفاض احتمالية الإصابة باضطرابات نظم القلب.
3. أمراض الجهاز التنفسي المزمنة: تحسن صحة الرئتين وانخفاض خطر الإصابة بأمراض مثل التهاب الشعب الهوائية المزمن وانتفاخ الرئة.
4. داء السكري من النوع الثاني: تحسن حساسية الأنسولين وتحسين التحكم في مستوى السكر في الدم على المدى الطويل.
5. مرض الكبد الدهني: تحسن صحة الكبد ووظائف التمثيل الغذائي.
6. الأمراض الالتهابية (مثل التهاب المفاصل): انخفاض خطر الإصابة بالأمراض الالتهابية المناعية.
7. أمراض الكلى المزمنة: تحسن صحة الأوعية الدموية والأعضاء على المدى الطويل.
8. الخرف: انخفاض خطر التدهور المعرفي.
"النشاط المعتدل إلى الشديد"
من جانبها، تناولت الدراسة الثانية مجموعة مماثلة من بيانات بنك بريطانيا الحيوي، وذلك من منظور أوسع لشدة التمارين، تحديداً "النشاط البدني المعتدل إلى الشديد". وعلى عكس الدراسة السابقة التي ركزت على الوقاية من أمراض محددة، ركز فريق الباحثين في الدراسة الثانية على الوفيات الإجمالية، وهو المقياس الشامل لخطر الوفاة لأي سبب.
وبناء على هذا المنظور البحثي، وجد الباحث يهوي كاي وزملاؤه في جامعة هونغ كونغ بوليتكنك، أن ممارسة ما يقارب 150 دقيقة من النشاط البدني المعتدل إلى الشديد أسبوعياً ترتبط بانخفاض خطر الوفاة. والجدير بالذكر أن هذه الفائدة ظلت قائمة حتى عندما كان النشاط يمارس على فترات قصيرة ومتقطعة على مدار اليوم. فيما تشير النتائج إلى أن مجرد رفع مستوى الجهد المبذول من "خفيف وسهل" إلى "معتدل أو شديد" يحدث فرقاً ملحوظاً.
غير أن مفهوم "النشاط المعتدل إلى الشديد" يبرز كتمييز جوهري، رغم أنه يجمع بين المشي السريع والركض الصاعد. وبينت دراسة كاي وزملائه أن النشاط البدني المعتدل إلى الشديد لفترات قصيرة ومتقطعة يقلل من خطر الوفاة. كما اكتشفوا أن بذل جهد كبير حتى الشعور بضيق طفيف في التنفس يوفر حماية إضافية محددة ضد الأمراض المزمنة، وهي حماية قد لا يوفرها النشاط البدني متوسط الشدة بنفس الفعالية.
"الجرعة" المثلى
إلى ذلك توصلت هاتين الدراستين إلى أن "الجرعة" المثلى للتمارين الرياضية ليست ثابتة أو متفق عليها عالمياً. فبينما يقر الباحثون بأن جرعة التمرين تعتمد على مزيج من الحجم (الكمية)، والشدة (الجهد)، والمدة الزمنية، إلا أن هناك جدلاً مستمراً حول أي مزيج محدد يحفز أقوى استجابة للجرعة.
على سبيل المثال، عندما يستخدم الباحثون منظور النشاط البدني المعتدل إلى الشديد، يلاحظون ارتباطاً واسعاً بزيادة متوسط العمر المتوقع لدى شريحة كبيرة من الأشخاص. وعندما يركزون على النشاط البدني الشديد، يلاحظون أن الشدة تعمل كعامل محسن.
في نواح عديدة، تعد هذه أخباراً سارة. حيث يشير ذلك إلى أن "زيادة" شدة التمرين يمكن أن تسمح بتمارين أقصر مع الحفاظ على الحماية واسعة النطاق من الأمراض. في الوقت نفسه يظهر أن فترات النشاط البدني الأقل شدة على مدار الأسبوع لها فوائد كبيرة في إطالة العمر. وبالتالي فإن الأمر ليس خياراً بين أمرين، بل هو أشبه بتدرج.
نصائح عملية
إذاً لا يحتاج الشخص لأن يكون رياضياً محترفاً للاستفادة من هذه النتائج. إذ إن الشدة نسبية. فإذا كان النشاط البدني يجعل الشخص يلهث لدرجة يصعب معها التحدث بجمل كاملة، فهو يعتبر نشاطاً بدنياً مكثفاً. فيما يمكن اتباع بعض الطرق لزيادة شدة النشاط خلال اليوم:
• دقيقة الطاقة: خلال المشي اليومي المعتاد، يمكن إضافة فترات 60 ثانية من المشي السريع أو الهرولة الخفيفة لرفع معدل ضربات القلب.
•صعود الدرج السريع: بدلاً من الصعود ببطء، يمكن صعود الدرج بوتيرة تشعر الشخص بضيق في التنفس.
•إنجاز المهام بسرعة: يمكن التعامل مع المشي من السيارة إلى المتجر على أنه مشي سريع بدلاً من نزهة هادئة.
•الأعمال المنزلية النشطة: يمكن زيادة وتيرة العمل أثناء التنظيف بالمكنسة الكهربائية أو غسل الأرضيات أو البستنة بما يكفي لرفع معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم بشكل ملحوظ.





