... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
254452 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5402 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 8 ثواني

الثقافة الغذائية بين الجذور والتحولات وآثارها الصحية

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/24 - 16:13 504 مشاهدة

د. علي المبروك أبوقرين

حين نتحدث عن الصحة والغذاء فإننا لا نتحدث عن أطباق تُقدم على المائدة فقط إنما عن منظومة معقدة تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند الإنسان، منظومة تمتد من طريقة الزراعة إلى أساليب الحصاد والتخزين، ومن مكونات الغذاء إلى طرق إعداده، ومن العادات الغذائية إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تحيط به، فالغذاء ليس مجرد اختيار فردي هو انعكاس لتاريخ طويل من التفاعل بين الإنسان وبيئته، وبين الندرة والوفرة وبين الحاجة والإمكان وبين ما نزرع ونرعى ونصطاد وبين ما يُصنع ويُستورد ويُسوق لنا.

لقد مرت ليبيا بمراحل متباينة في ثقافتها الغذائية، حيث كان الاعتماد في الماضي على الزراعة والرعي والصيد، وكانت الموارد محدودة لكنها طبيعية، وكانت الأرض تُروى بمياه الأمطار أو بالمياه الجوفية، فنتج عن ذلك نمط غذائي بسيط لكنه متوازن، يعتمد على ما تجود به الطبيعة، وعلى ما تتيحه البيئة من إمكانات.

وفي أزمنة الجفاف والمجاعات، ظهرت أمراض سوء التغذية وارتفعت معدلات الوفيات، لكن كان الغذاء رغم قلته أكثر قربًا من طبيعته، وأقل تعرضًا للتصنيع والتشويه.

ومع تحسن الأوضاع الاقتصادية لاحقًا تحسنت المعيشة، وتطورت الخدمات، وبدأت الدولة تلعب دورًا مهمًا في تنظيم الغذاء والرقابة عليه، من الزراعة إلى الأسواق، ومن المخابز إلى المطاعم، ومن المجازر إلى استخدام المبيدات والأسمدة والأدوية البيطرية، فانعكس ذلك إيجابًا على الصحة العامة وتحسنت المؤشرات الصحية والاجتماعية بشكل ملحوظ، وتزامن ذلك مع بناء نظام صحي قوي وموحد يضمن العدالة في الوصول إلى الخدمات.

لكن مع دخول مرحلة الفوضى والوفرة غير المنضبطة، بدأ التحول الكبير حيث تراجعت الرقابة، واتسعت الأسواق بشكل عشوائي، وزحف العمران على الأراضي الزراعية، وظهرت ممارسات مخالفة في الزراعة والتربية الحيوانية، وانتشرت المنتجات غير المطابقة للمعايير، وامتلأت الأسواق بسلع لا تخضع لرقابة حقيقية.

ولم تعد المشكلة في قلة الغذاء إنما في نوعيته، حيث تحولت الأسواق إلى بيئة شرسة تُغرق المجتمعات بكل ما هو مُصنع ومكرر ومُضاف إليه، وكأنها تعيد تشكيل الذوق والسلوك الغذائي بالقوة، مدعومة بدعاية لا تهدأ وإعلانات تُحاصر الفرد في كل مكان، من الشارع إلى الشاشات، ومن الهاتف إلى المراكز التجارية، وفي هذا السياق لم يسلم حتى الموروث الغذائي، حيث طالت التغييرات الأكلات الشعبية، فأُضيفت إليها مكونات غريبة، وتغيرت طرق إعدادها، وتشوهت هويتها تحت تأثير التقليد والانبهار بثقافات أخرى، حتى أصبحت بعض الموائد المحلية تحمل أسماء وأشكالًا أقرب إلى مدن بعيدة منها إلى بيئتها الأصلية.

وفي المقابل تراجعت مفاهيم الغذاء الطبيعي، واختفت الزراعة العضوية، وقل الاعتماد على البذور الأصلية، وابتعدت الثروة الحيوانية عن نمطها الطبيعي القائم على المراعي، وحل محل ذلك الإنتاج المكثف والتصنيع والتعديل الوراثي والاعتماد على الإضافات، حتى أصبح من الصعب التمييز بين ما هو طبيعي وما هو مُصنع.

ومع هذا التحول لم تتأثر البيئة فقط، تأثرت الصحة أيضا حيث ارتفعت معدلات الأمراض المزمنة، وتضخم ما يمكن تسميته سوق المرض، وأصبح الاقتصاد الصحي في جزء منه قائمًا على استدامة هذه الأمراض، في تواز مقلق مع اقتصاد استهلاكي يُغذي نفس الدائرة، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة فالوفرة التي كان يُفترض أن تكون نعمة، تحولت في كثير من الأحيان إلى سبب مباشر في المرض، وأصبح الإنسان محاصرًا بين غذاء يُرهق صحته وسوق يدفعه نحو المزيد منه، ونظام صحي يُحاول اللحاق بالنتائج دون أن يُعالج الأسباب.

إن الثقافة الغذائية لم تعد مسألة ذوق أو عادة هي أصبحت قضية وعي ومسؤولية ومصير، لأن ما نأكله اليوم لا يحدد صحتنا فقط إنما يحدد مستقبل أجيالنا واستدامة بيئتنا وتوازن مجتمعاتنا، ولهذا وجب العودة إلى الأصل إلى ما تُنبت الأرض وليس لما تُنتجه المصانع وإلى البساطة لا التعقيد وإلى الاعتدال وليس الإفراط وعلينا مراقبة ما نأكلون لأن الغذاء ليس فقط ما يدخل الجسد إنما هو ما يُشكل الحياة كلها فإما أن نصنع به صحة أو نصنع به مرضًا..

The post الثقافة الغذائية بين الجذور والتحولات وآثارها الصحية appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤