الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل.. والغموض يكتنف الوظائف المهددة
رسمت صناعة الذكاء الاصطناعي، خلال مؤتمر هذا الأسبوع في سان فرانسيسكو، ملامح “حزمة نجاة” للعمال تقوم على إتقان البرمجة، وتعزيز التفكير النقدي والمهارات الإنسانية، في وقت لا يزال الغموض يكتنف حجم الوظائف التي قد تقضي عليها هذه الثورة.
وعند مدخل مؤتمر “هيومن إكس”، الذي استمر أربعة أيام وجمع نحو 6500 مستثمر ورائد أعمال ومدير تنفيذي في قطاع التكنولوجيا، رفعت إحدى الشركات العارضة لافتة كُتب عليها: “توقفوا عن توظيف البشر”.
وعلى المنصة الرئيسية، أكدت ماي حبيب، المديرة التنفيذية لمنصة “رايتر” للذكاء الاصطناعي، أن إدارات كبرى الشركات الأميركية “تعيش حالة ذعر جماعي” حيال هذا الملف.
ورغم ذلك، رأى معظم المشاركين أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتبرير موجات التسريح الأخيرة ليس سوى ذريعة واهية، فيما وصفه رئيس شركة “أوبن إيه آي” سام ألتمان في فبراير الماضي بـ”الغسل بالذكاء الاصطناعي”.
وأجمع مستثمرون ورؤساء شركات صغيرة ومؤسسو شركات ناشئة على أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولًا في “كل شركة وكل وظيفة وكل طريقة عمل”، وفق ما لخّص مات غارمان، الرئيس التنفيذي لخدمات الحوسبة السحابية في “أمازون ويب سيرفيسز”.
وفي النقاشات، يُتجنب التطرق إلى فقدان الوظائف، إذ يُشار إلى الذكاء الاصطناعي على أنه “مجرد أداة”، فيما يبقى التكيّف هو الكلمة المفتاحية.
غير أن الخلاف يبدأ عند تحديد ملامح هذا التكيّف. فقبل عامين، أثار جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا”، جدلًا بقوله إن “لا أحد يجب أن يبرمج بعد الآن”، لأن الذكاء الاصطناعي سيقوم بالمهمة بشكل أسرع وأفضل.
وردّ عليه الثلاثاء أندرو نغ، مؤسس منصة “ديب ليرنينغ.إيه آي” وأحد أبرز الأصوات في وادي السيليكون، معتبرًا أن ذلك “من أسوأ نصائح التوظيف على الإطلاق”.
وبرأيه، لا تزال البرمجة مهارة أساسية، بل إن الذكاء الاصطناعي جعلها أكثر انتشارًا. ويقول: “لا تكتبوا الشيفرة يدويًا، اطلبوا من الذكاء الاصطناعي القيام بذلك وستصبحون أكثر قوة”، لكن بعدد أقل من الموظفين، إذ بات يكفي مهندسان لتنفيذ مشاريع كانت تتطلب 15 سابقًا.
كما برز توجه في وادي السيليكون يمنح “المهارات الناعمة”، أي الخصال الإنسانية والسلوكية، أهمية متزايدة.
وشدد الرئيس التنفيذي لمنصة “كورسيرا”، غريغ هارت، على أن ما يميّز الموظف هو “المهارات الإنسانية: التفكير النقدي، والتواصل، والعمل الجماعي”، مشيرًا إلى أن الإقبال على دورات التفكير النقدي تضاعف ثلاث مرات خلال عام.
القدرة على الحكم
وكانت الشريكة المؤسسة لشركة “أنثروبيك”، دانييلا أمودي، قد شددت في فبراير على أن “ما يجعلنا بشراً سيصبح أكثر أهمية”، مضيفة أن شركتها توظف أشخاصًا يتمتعون بمهارات التواصل والتعاطف والفضول.
من جهته، قال فلوريان دويتّو، الرئيس التنفيذي لشركة “داتا إيكو” الفرنسية، إن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في “القدرة على إصدار الأحكام: الجلوس مع قلم، وتلخيص الأمور، والقول: أعتقد أن…”.
ورسم صورة لعالم يعمل فيه نظام الذكاء الاصطناعي ليلًا، ثم يراجع الإنسان النتائج صباحًا، قبل أن يستأنف النظام عمله بشكل مستقل خلال استراحة الغداء.
لكنه حذّر من أن “جيلًا كاملًا قد ينشأ من دون أن يكتب شيئًا كاملًا من البداية إلى النهاية في حياته، وهذا أمر مقلق”.
غير أن نصائح القطاع قد تبدو بعيدة عن واقع جيل يواجه صعوبة في دخول سوق العمل، إذ إن الذكاء الاصطناعي أتمت أولًا المهام التي كانت تُستخدم للتدريب.
وبحسب دراسة لصندوق “سيغنال فاير”، تراجعت عمليات توظيف أصحاب الخبرة التي تقل عن عام بنسبة 50% بين 2019 و2024 لدى كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية.
ولا ينجو أي جيل من التأثيرات المحتملة، إذ حذّر نائب الرئيس الأميركي الأسبق آل غور من ضرورة الاستعداد لفقدان وظائف في قطاعات عدة.
وكان الصوت الأبرز في الدعوة إلى التحرك، إذ طالب بوضع خطة لرصد الوظائف المهددة والتحضير لإعادة التأهيل، لتجنب تكرار أخطاء مرحلة إزالة التصنيع خلال العولمة في العقد الأول من الألفية.
لكنه أبدى أسفه لأن “الحديث في هذا الموضوع قد يُغيّب لأنه قد يبطئ الحماسة للتكنولوجيا”.
The post الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل.. والغموض يكتنف الوظائف المهددة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





