التغيرات المناخية تفرض اليقظة .. المغرب يطور منظومة الرصد والإنذار
بشعار معبّر وواعٍ بما ينتظر البشرية من تغيرات جوية تستدعي الاستباقية والحذر، خلّد المغرب، على غرار بقية دول المعمور، مناسبة اليوم العالمي للأرصاد الجوية المحتفى به في 23 مارس من كل سنة، مرسخا الدور الأساسي للرصد الجوي والمناخي في فهم منظومة الأرض وتعزيز حماية الأشخاص والممتلكات.
منظومة رصد “متكاملة”
بهذه المناسبة، صرّح رئيس مصلحة التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، الحسين يوعابد، لجريدة هسبريس الإلكترونية، قائلا: “لا تقتصر الأرصاد الجوية على التنبؤ بحالة الطقس فحسب، بل تشمل أيضا فهم تطور المناخ واستباق الظواهر الجوية الخطرة، بما يساهم في حماية الأرواح والممتلكات وضمان سلامة الأجيال القادمة”، مشددا على معطى كون “الملاحظات الجوية الركيزة الأساسية لكل توقع جوي موثوق ولكل نظام فعال للإنذار المبكر”.
ومن أبرز ما يميّز التجربة المغربية، بعد سنوات من التطوير، “اعتمادها على منظومة متكاملة ومتطورة للرصد الجوي والمناخي، تقوم على شبكة وطنية واسعة تضم أكثر من 433 محطة أوتوماتيكية، إلى جانب 8 رادارات حديثة، و6 رادارات بحرية، وأنظمة لرصد الصواعق، تعززها 5 محطات لقياس معطيات الغلاف الجوي”، فضلا عن الاستفادة من معطيات “الأقمار الاصطناعية من الجيل الثالث”.
وأضاف يوعابد أن “هذه المنظومة تمكن من جمع معطيات دقيقة وبشكل شبه آني، وتشكل الأساس لكل توقع جوي موثوق ولكل نظام فعال للإنذار المبكر”، مفيدا بأن المغرب “منخرط في الدينامية الدولية، خاصة عبر النظام العالمي المتكامل للرصد (WIGOS) ومبادرة “الإنذار المبكر للجميع”، مما يعزز موقعه ضمن الدول التي تطور قدراتها في هذا المجال بشكل متسارع، مدعوما بالتطورات التكنولوجية في الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
وتنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على “السلامة اليومية للمواطن”، وفق يوعابد، الذي وضّح أنه “بفضل كثافة شبكة الرصد ودقة النماذج العددية، يتم إصدار نشرات جوية ونشرات إنذارية أكثر دقة وانتظاما، مما يُمكّن السلطات العمومية من اتخاذ قرارات استباقية للتقليل من المخاطر، خاصة في المناطق المعرضة للفيضانات أو التساقطات الثلجية أو الظواهر الجوية القصوى”.
وسجل أن “أهمية هذه المنظومة تجلّت بشكل واضح خلال الحالة الجوية الاستثنائية التي عرفها المغرب هذا الشتاء، حيث ساهمت جودة الرصد ودقة التوقعات في مواكبة مختلف القطاعات وحماية الأرواح والممتلكات”.
وأكد يوعابد أن “الاستثمار في الرصد الجوي وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر يشكل ركيزة أساسية لدعم سلامة المواطنين ومواكبة التنمية المستدامة”.
بين تنبؤ جوي وترقب مناخي
البروفيسور محمد سعيد قروق، أستاذ جامعي في علم المناخ خبير متخصص في ظواهره، عدّ يوم 23 مارس مناسبة هامة للتذكير بالأدوار الكبرى التي تضطلع بها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمديريات الوطنية عبر العالم في مجالي التنبؤ والرصد لحماية المواطنين. وقال إن شعار “الرصد اليوم.. من أجل الحماية غدا”، شعار قوي يهدف إلى دفع المشتغلين في هذا القطاع نحو مزيد من الاجتهاد وتطوير عمليات الرصد لضمان سلامة المجتمعات. وفي المغرب، تقوم المديرية العامة للأرصاد الجوية بهذا الواجب بمستويات عالية وتكنولوجيات متطورة جدا.
وشدد قروق على ضرورة التمييز بين “الرصد الجوي” و”الترقب المناخي”؛ فالرصد الذي يقوم به المتخصصون في الأرصاد الجوية هو بمثابة “هندسة للجو”، يعتمد على الحالة الراهنة وما سبقتها من تطورات للتنبؤ بما سيكون عليه الطقس في الأيام الثلاثة المقبلة (72 ساعة)، وهي الفترة التي تكون فيها التوقعات موثوقة. أما بعد هذه المدة، فننتقل من مجال التنبؤ الجوي إلى مجال “الترقب المناخي”.
وزاد شارحا لجريدة هسبريس أن “الفرق الجوهري هو أن علم الطقس يهتم بالظواهر الآنية، بينما يدرس علم المناخ ما حدث في الماضي لفهم الوضع العام للكرة الأرضية، معتمدا على المنهج الكيفي بدلا من الكمي” (الذي يحدد بدقة مقاييس التساقطات والحرارة).
الاستعداد للقادم
يعتمد علم المناخ على معطيات مركزية، أوّلها، بحسب ما أوضحه الخبير المناخي ذاته للجريدة، “الإشعاع الشمسي وموقع الأرض ومكوناتها ككوكب يدور حول نفسه بمحور مائل”، مستدركا: “لكن ما يهمنا بشكل مباشر هو كيفية تسليم سطح الأرض للطاقة إلى الغلاف الجوي، حيث تعتبر المحيطات المستودع الأكبر لتخزين هذه الطاقة والمسؤول الأول عن تحريك الآلة الجوية”.
وبالنسبة للمغرب، “يرتبط مناخنا بشكل وثيق بالمحيطين الهادئ والأطلسي، وتحديدا بالمنطقة الاستوائية حيث يوجد ما يسمى المدخنة الاستوائية التي تدفع بالكتل الهوائية والطاقة نحو العُروض العليا شمالا وجنوبا”، وفق أستاذ علم المناخ.
وبعد تذكيره بتحكّم الطاقة المنبعثة من المحيطات في “مرتفع الآصور”، وهو الضغط الجوي الرئيسي المتحكم في مناخ المغرب، قال البروفيسور قروق إن “التوقعات المستقبلية تثبّت ضرورة الاستعداد”، ليخلص إلى أن “المعطيات الحالية لشهر مارس 2026 تشير إلى تطور ظاهرة النينيو في المحيطين الهادئ والأطلسي، مما يتوقع معه استقرار مرتفع الآصور بقوة وتغير تذبذب شمال الأطلسي ليصبح موجبا”.
وختم بالقول إن “هذه الأوضاع ستمنع وصول الأمطار إلى المغرب في الفترة المقبلة. وبناء على هذه الترقبات الكبرى، وجب على المسؤولين في المغرب التهيؤ والاستعداد على مستوى هندسة وتدبير الموارد المائية وتطوير طرق استعمالها، لنكون في وضعية أكثر منطقية واستفادة من المعطيات الجوية والمناخية المتاحة”، بتعبيره.
The post التغيرات المناخية تفرض اليقظة .. المغرب يطور منظومة الرصد والإنذار appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




