التعلّم التكيفي ليس رفاهية… بل ضرورة في زمن الأزمات
* منى صوان
في ظلّ الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان اليوم، لم يعد الطلاب ينطلقون من نقطة واحدة، ولا يتعلمون ضمن بيئة متشابهة. فبين طالب يعيش في منزل مستقر، وآخر يتنقل بين أماكن النزوح، وثالث يعاني من ضعف في الاتصال بالإنترنت، ورابع يواجه ضغوطًا نفسية تفوق قدرته على التركيز، تتّسع الفجوة التعليمية يومًا بعد يوم.
وفي مقابل هذا الواقع، لا يزال النظام التعليمي في كثير من الأحيان يعتمد مقاربة واحدة للجميع، من حيث المحتوى، وسرعة التعلّم، وآليات التقييم. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: فالمساواة الشكلية لا تعني بالضرورة عدالة تعليمية، بل قد تؤدي، في ظل الأزمات، إلى تعميق الفوارق بدل تقليصها.
لقد كشفت الأزمات المتتالية أن التعليم لم يعد بحاجة إلى المزيد من الأدوات بقدر ما يحتاج إلى إعادة تفكير في فلسفته. فالتكنولوجيا، على أهميتها، لا تشكّل حلًا بحدّ ذاتها، إن لم تُوظّف ضمن رؤية تربوية تراعي الفروق الفردية والظروف المتباينة للطلاب.
من هذا المنطلق، يبرز التعلّم التكيفي كأحد أهم المداخل التربوية القادرة على الاستجابة لهذا الواقع. فالتعلّم التكيفي لا يعني التعقيد أو الاعتماد على أنظمة رقمية متقدمة، بل يقوم في جوهره على مبدأ بسيط: أن يتكيّف التعليم مع الطالب، لا أن يُجبر الطالب على التكيّف مع نظام جامد.
وليس هذا التوجه نظريًا فحسب، بل أصبح واقعًا في أنظمة تعليمية متقدمة. فقد طوّرت شركة McGraw Hill منصات تعليمية تعتمد على التعلّم التكيفي، حيث يتم تحليل أداء الطالب بشكل مستمر، ثم تقديم محتوى وأسئلة مخصصة وفق مستواه، مما يساعده على التقدّم وفق سرعته الخاصة.

كما تقدم منصات مثل Khan Academy تجربة تعلم قائمة على المسارات الفردية، حيث ينتقل الطالب من مهارة إلى أخرى بناءً على إتقانه، بينما تعتمد أدوات مثل DreamBox على تكييف الأسئلة بشكل لحظي وفق تفاعل الطالب مع كل نشاط.
وفي مقابل هذا التقدم العالمي، لا يزال التعليم في بيئات مثل لبنان محكومًا في كثير من الأحيان بنموذج موحّد، يضع جميع الطلاب في المسار نفسه، رغم اختلاف ظروفهم بشكل جذري. وهنا لا تكمن المشكلة في غياب التكنولوجيا، بل في غياب تبنّي فلسفة تعليمية مرنة تستجيب للواقع.
وفي السياق اللبناني الحالي، قد لا تتوفر مثل هذه الأنظمة المتقدمة في جميع المدارس، إلا أن الفكرة الأساسية يمكن تطبيقها بطرق بسيطة وفعّالة. يمكن أن يبدأ ذلك بتخفيف كثافة المحتوى بما يتناسب مع قدرة الطلاب، وتقديم مستويات مختلفة للمهام التعليمية، واعتماد أساليب تقييم مرنة تراعي الفروق الفردية، إلى جانب منح الطلاب مساحة للتعلّم وفق سرعتهم الخاصة، مع مراعاة الجوانب النفسية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العملية التعليمية.
وفي هذا التحوّل، يتغيّر دور المعلم بشكل جوهري. فلم يعد دوره مقتصرًا على نقل المعرفة، بل بات مطالبًا بقراءة واقع طلابه، وفهم احتياجاتهم، وتصميم تجارب تعلم أكثر إنسانية ومرونة. المعلم اليوم هو من يوازن بين متطلبات المنهج وواقع المتعلم، ويبحث عن سبل تضمن استمرار التعلم دون أن تُثقل كاهل الطالب.
إنّ التحديات التي يواجهها التعليم في لبنان اليوم تفرض الانتقال من نموذج تعليمي موحّد إلى نموذج أكثر مرونة وتكيفًا. فالتعلّم التكيفي لم يعد خيارًا تطويريًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة لضمان استمرارية التعلم وتحقيق الحد الأدنى من العدالة التعليمية.
وفي زمن الأزمات، قد لا يكون المطلوب تعليمًا أكثر،
بل تعليمًا أكثر فهمًا… وأكثر إنصافًا.
* باحثة ومتخصّصة في القيادة التربوية والذكاء الاصطناعي في التعليم




