تقول الرواية المتداولة إن المخرج السوري الشهير نجدة أنزور في بداية التسعينيات خرج من بيته حاملًا على ظهره فيلمه الأردني «حكاية شرقية»، إذ كانت الأفلام تأتي إلى دور السينما على شكل بكرات ضخمة وثقيلة تحتوي كل منها على جزء من الفيلم لا يتجاوز عشرين دقيقة. ورغم أنه طاف بجولته على معظم دور العرض في عمان والزرقاء وإربد، إلا أنه لم يجد فرصة لعرض فيلمه ومنافسة العروض التجارية للأفلام الرومانسية والكوميدية المصرية، وإنتاجات هوليوود وبوليوود الشهيرة.
عرض هذا الفيلم لم يكن ليغيّر شيئًا في تجربة أنزور السينمائية أو سيرة الفيلم الأردني، لكن المؤكد أن الخيارات المحدودة من عروض الأفلام التي كانت دور السينما تقدمها سابقًا قد أصبحت اليوم أضيق. كل خميس، تنشر دور السينما التجارية في الأردن جدول عروضها من الأفلام، والذي يتكرر في مختلف شاشات العرض وينحصر في معظم الأحيان في مجموعة من الأفلام الأمريكية وفي بعض الأفلام المصرية الشهيرة، وأحيانًا في فيلم هندي.
بخلاف مهرجان عمان السينمائي، تعرض صالات السينما التجارية في الأردن الأفلام ذاتها على امتداد فروعها التي تضم حوالي خمسين شاشة عرض في المراكز التجارية الكبيرة في عمان وإربد. هذه الفترة مثلًا تشمل قائمة العروض فيلم الآكشن «سبايدرمان» وفيلم الأنيميشن «توي ستوري» والفيلم الكوميدي المصري «صقر وكناريا»، في مشهد تنعدم فيه عروض الأفلام المحلية والأفلام المستقلة والتجارية من حول العالم.
كيف تصل الأفلام إلى صالات السينما؟
تبدأ عملية اختيار الأفلام في السينمات التجارية بالمجمل من شركات التوزيع التي تتعامل مع شركات الإنتاج الإقليمية والعالمية، حيث تشتري شركات التوزيع حقوق عرض الأفلام لفترات معينة ثم تبيعها بدورها إلى دور العرض. يشير الناقد السينمائي ناجح حسن إلى محدودية سوق توزيع الأفلام في الأردن، وهو ما يجعل دور العرض تتعامل مع عدد من شركات التوزيع العربية متعددة الجنسيات، «هاي الشركات بتشتري حقوق عرض الفيلم لمنطقة الشرق الاوسط أو الدول العربية كاملة، وبتعطي الأردن زي ما بتعطي لبنان والعراق وغيره»، يقول حسن.
تختار شركات التوزيع الأفلام التي ستشتري حقوق عرضها بناءً على عدة افتراضات تستند إلى المنطق التجاري بالمرتبة الأولى، مثل شعبية الممثلين وأداء الأفلام الشبيهة في شباك التذاكر وتفضيلات السوق بناءً على تحليل سلوك رواد السينما خلال السنوات الماضية، يقول مؤسس الشبكة العربية للإعلام طارق أبو لغد. وفي ضوء هذه الاعتبارات، تمنح شركات التوزيع أفلام الرعب والأكشن والكوميديا ذات الأداء المرتفع الأولوية، وتتهافت كل موسم لشراء الأجزاء الجديدة من أفلام مثل باتمان وسبايدرمان وغيرها، بحسبه.
يرى حسن أن السينما العالمية تنتج خيارات أوسع بكثير مما تعرضه السينمات في الأردن، إلا أن الأولوية الربحية للموزع السينمائي تخلق مشهدًا محصورًا في الأفلام التجارية، فبينما تضمن أفلام الترفيه مستوى من الربحية للموزعين، تشتمل الأفلام المستقلة و«الثقافية» على مجازفة لدور العرض. يرتبط هذا التفضيل لأفلام الترفيه بعوامل أخرى، يقول الناقد السينمائي اللبناني شفيق طبارة مشيرًا إلى صغر حجم السوق المحلي في دول عربية مثل لبنان والأردن، حيث لا تستطيع شركات التوزيع تحمّل شراء أفلام متنوعة تعرف أن السوق المستهلك لن يغطي تكلفتها.
بحسب طبارة، يزداد هذا الواقع صعوبة مع تقلّص شريحة رواد السينما مع الوقت، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة حضور السينما على العائلات، وانتشار ثقافة منصات البث مثل نتفلكس وغيرها، بالإضافة إلى تغيّر ثقافة المشاهدة بحكم انتقال صالات السينما إلى المولات. «يعني بتبطل الناس جايه مخصوص للسينما عشان تسمع عن قضية جديدة أو بتحب مخرج معين، بتصير تيجي تحضر أفلام النجوم ضمن جولتها في التسوق من المول». مشيرًا إلى أن دور السينما أصبحت اليوم جزءًا من فضاء استهلاكيّ أوسع وليست جزءًا من مشروع أو حالة ثقافية.
تفسّر هذه الأسباب المنطق وراء طبيعة عروض الأفلام المختارة والتي تقررها شركات التوزيع في الأساس. وبذلك، تتحول دور السينما إلى مساحة تشغيلية تستقبل وتعلن عن عروض الأفلام دون أن يكون لها رأي مباشر في برمجة الأفلام إلا ضمن مساحة محدودة مثل متابعة معدلات المشاهدة والتنسيق بين شاشات العرض المتاحة. على سبيل المثال، ترصد دور العرض في الأردن معدلات الإقبال على الأفلام المعروضة وبناءً عليها، تمدد عروض الأفلام الأكثر مشاهدة وتلغي أو تقلّص عروض الأفلام التي لم تشهد إقبالًا.
من ناحية أخرى، يفسر قيّم عروض الأفلام في دارة الفنون أحمد أمين تكرّر عروض الأفلام في مختلف السينمات في الوقت ذاته، مشيرًا إلى أن هذا التزامن يتيح لشركات الإنتاج إطلاق حملات ترويجية ودعائية مكثفة تستغل اللحظة الراهنة لعرض الفيلم في جميع دور العرض العربية. ورغم أن هذا التزامن يجعل الأمر يبدو وكأنه غير مجد اقتصاديًا لها، إلا أن أمين يوضح أن دور العرض حينها لا تتمايز عن بعضها البعض بنوعية الأفلام بقدر ما تحاول أن تتفرد بتجربة العرض ذاتها، أي قرب المكان وحجم الشاشة وتجربة المشاهدة وتعامل الموظفين وتفضيلات الأكل والمشروبات.
يتفق مبرمج الأفلام عبود رواجبة مع ذلك، مشيرًا إلى أن غياب التنافسية في خيارات الأفلام ما بين دور العرض في الأردن هو ما يجعلنا نشاهد قاعات تعمل لعدد محدود جدًا من المشاهدين. إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن السينما لا تحقق ربحًا كافيًا، لأن نموذج العمل في السينما التجارية لا يعتمد على ملء جميع القاعات، بل على نجاح فيلم أو فيلمين بالحد الاقصى من مجمل الأفلام المعروضة، خصوصًا وأن أرباح دور السينما تأتي من بيع المأكولات والمشروبات التي يرتفع فيها هامش الربح لمعدلات كبيرة مقارنة بتكاليف التذاكر التي يذهب الجزء الأكبر منها لشركات واستديوهات الإنتاج.
على هامش هذه الصورة، تشهد دول مثل مصر ولبنان بعض المبادرات الخاصة بعرض أفلام غير تجارية، مثل سينما متروبوليس في لبنان، وسينما زاوية في مصر. لكن من المهم الانتباه كذلك، يشير أمين، إلى أن دور السينما التجارية في بعض الدول، تقدم خيارات من الأفلام تستجيب لحجم السوق وتنوع الذائقة، مثل قيام دور عرض مصرية بعرض فيلم «ضي» مؤخرًا والذي لقي استحسان نقاد المهرجانات. بحسبه، فإن مشاهدة الأفلام في السينما هي نشاط شعبي ما زال يجد إقبالًا لدى العائلات المصرية، فضلًا عن أن مساحات العرض هذه، والتي ما زال بعضها مستقلًا بذاته خارج المراكز التجارية، تشكل جزءًا من تاريخ سينمائي يتجاوز عمره مئة عام وصناعة ضخمة تنتج الأفلام وتوزعها وتعرضها.
أما السعودية، فقد أدى الانفتاح الذي شهدته البلاد مؤخرًا والتعطش الكبير لزيارة السينما بعد أن كانت ممنوعة إلى نمو هذا السوق، حيث يتجاوز عدد دور العرض 60 سينما تضم حوالي 600 شاشة. يعتقد أمين أن دور العرض السعودية اليوم تشكل حصة ضخمة من إيرادات الأفلام العربية في ظل تزايد شريحة رواد السينما والقدرة الشرائية المرتفعة لدى الجماهير، حيث تجاوزت إيراداتها 266 مليون دولار العام الماضي مقارنة بإيرادات مصر التي بلغت 37 مليون دولار للعام نفسه.
بحثًا عن خيارات أكثر تنوعًا
بسبب التحديات التي تفرضها آلية اختيار الأفلام والنموذج الربحي للسينمات التجارية في الأردن، أراد أبو لغد تقديم خيارات أكثر تنوعًا من عروض الأفلام في مسرح الرينبو الذي أعاد افتتاحه عام 2013 عن سينما الرينبو المهجورة التي تأسست في الخمسينيات. تصمم سينما الرينبو، التي تنضوي تحت الشبكة العربية للإعلام، برامج عروض أفلام تشمل خيارات تجارية، لكنها تقدم أيضًا مساحة للأفلام المستقلة القادمة من الدول العربية أو القارة الأوروبية أو مناطق شرق آسيا، تتبعها جلسات نقاشية صنّاع تلك الأفلام.
يعتبر أبو لغد أن تجربة الرينبو لم تكن لتنجح بدون عرض الأفلام المستقلة والإقبال عليها، في ظل وجود شاشة عرض واحدة وصعوبة منافسة دور العرض التجارية، ولذلك تصبح الأفلام المستقلة وسيلة لاستقطاب شريحة مختلفة من المشاهدين. بالإضافة إلى السينما، تضم الشبكة العربية للإعلام استديوهات أبو لغد التي تعمل كشركة موزعة تمكّنها من بيع الأفلام على بعض السينمات التجارية في الأردن والمنطقة وهو ما أتاح في بعض الأحيان تمرير بعض عروض الأفلام المستقلة إلى جداول عرضها.
عمل أبو لغد مثلًا على طرح فيلم «سمسم»، وهو فيلم درامي كوميدي أردني يحكي قصة إمراة ترتب زواج زوجها من امرأة أخرى، في دور العرض التجارية خلال شهر تموز الفائت. «أنا بعرف إنهم كانوا بفضلوا فيلم آخر، لكن أصلًا أعطونا مدة عرض محدودة ما بين أواخر كأس العالم وقبل بداية الدورة الجديدة من مهرجان عمان السينمائي». بالنسبة له، فإن هذه «الاختراقات» في السينما التجارية تحدث بطريقتين، إما عبر إدراك شركات التوزيع لمسؤوليتها الثقافية في المجتمع، أو عندما تحقق بعض الأفلام الأردنية والعربية صدى واسعًا في المهرجانات السينمائية العالمية.
يقول أمين إن دور العرض التجارية في الأردن عرضت أفلامًا مثل «ذيب وفلسطين 36 وهند رجب وان شاء الله استفدت» لأن هذه الأفلام نجحت في تحقيق المعادلة التجارية أيضًا، بمعنى أنها تركّز على القيمة الفنية، لكنها في الوقت ذاته حققت صدى واسعًا وخاطبت شريحة كبيرة من الجماهير. في هذه الحالة، لا تُمانِع شركات التوزيع الإقليمية عرض هذه الأفلام لأنها قد تحقق مردودًا ماديًا مجديًا، كما من الممكن أن تجازف دور السينما بواحدة من شاشاتها لتجربة عرض واحدة قبل أن تقرر فيما إذا أرادت أن توسع نطاق العروض أم لا.
بالإضافة إلى عروض الأفلام في السينمات التجارية وسينما الرينبو، يشير حسن إلى مجموعة من المؤسسات الثقافية التي تشكّل جزءًا من القطاع الثقافي المعني بعرض الأفلام مثل نادي السينما الذي تنظمه مؤسسة عبد الحميد شومان، والأيام الدورية التي تقدمها الهيئة الملكية للأفلام (مثل أيام الفيلم الهولندي والباكستاني وغيرها)، والعروض المنتظمة التي تنظمها دارة الفنون. يعتبر رواجبة أن هذه الجهود قد تكون متنفسًا عن الخيارات التجارية من الأفلام، إلا أنها في كثير من الأحيان تواجه تحديات أخرى مثل طبيعة الأفلام المختارة وحداثتها وسقف القضايا السياسية والاجتماعية التي تطرحها.
«الفكرة مش إنك تجيب أكثر فيلم ثقيل وممل بالحياة عشان تعتبر حالك سينما بديلة»، يقول طبارة مشيرًا إلى أن بعض محاولات عروض الأفلام بينما كانت تتجنب أن تكون تجارية، أفرطت في تحويل السينما إلى نشاط نخبوي. بالنسبة له، فإن المؤسسات الثقافية ودور السينما المستقلة عليها أن تبحث عن أفلام ترتبط بحياة معظم الناس وتمس مشاعرهم وهمومهم وأولوياتهم حتى تلقى عروضها رواجًا وتخلق حالة ثقافية يمكن المراكمة عليها تدريجيًا.
حاولت بعض المبادرات الثقافية الصغيرة تحقيق هذه المعادلة، ويُذكر منها تجربة سينما كواكب التي بدأها رواجبة ضمن غرفة العرض في مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة، وتجربة سينما عين التي أسسها المخرج يزن الغزاوي لتقديم عروض الأفلام في الأماكن العامة في المحافظات. يعتبر رواجبة أن معظم هذه المبادرات علقّت أنشطتها عندما اصطدمت بالاشتراطات التي تحددها هيئة الإعلام لإجازة الأفلام وترخيص أماكن عرضها، أو صعوبات تحقيق الاستدامة المالية في ظل رمزية أسعار التذاكر وتكاليف شراء حقوق عرض الأفلام المستقلة.
ولذلك، يعتبر طبارة أن مسؤولية تطوير عروض الأفلام وصنع ثقافة مشاهدة محلية لا تقع على عاتق المؤسسات الثقافية وحدها، بل تستلزم جهودًا رسمية تدعم هذا القطاع وتمكّن المبادرات الصغيرة من الاستمرار. بحسبه، فإن هذه الجهود قد تشمل تيسير إجراءات عرض الأفلام المستقلة فيما يتعلق بشحن نسخة الفيلم وكلف رقابتها وترخيصها، بالإضافة لتحديد معدلات ضرائب مرتفعة على عروض الأفلام الأجنبية بحيث يخصص جزء من هذه الضرائب لدعم صناعة الأفلام المحلية، وهي اقتراحات سبق لدول مثل فرنسا والصين تطبيق سياسات مماثلة لها.
يقول أبو لغد إن محدودية عروض الأفلام التي تتيحها دور العرض التجارية وحتى الثقافية هي نتيجة لتحديات تقنية واقتصادية وسياسية عدّة تتقاطع ضمن مشهد أوسع، وهي ظاهرة تثير أسئلة ملحّة تواجهها مساحات العرض في كل مكان وليس في الأردن فحسب في ظل انتشار منصات البث الرقمية وتغيّر ذائقة المشاهدين. ولذلك، تصبح الحاجة لتطوير عروض الأفلام وإطلاق حوار تنخرط فيها الجهات الرسمية والمؤسسات الثقافية ودور العرض التجارية ضرورية، لأن غياب عروض الأفلام المستقلة يحرمنا من فرص هامة لتوسيع آفاق تفكيرنا والتعرف على ثقافات الشعوب والاشتباك مع قضايا اجتماعية وسياسية تعنينا.





