... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
224920 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7795 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

الصين.. حين ينتصر الصمت على الصخب

السبيل
2026/04/20 - 13:14 502 مشاهدة

إسماعيل الشريف
الماءُ لَينٌ وضعيف، لكنه يَغلب الصَّلب والقاسي- مبدأٌ أساسي في الفلسفة الطاوية.
في الحضارات الإنسانية القديمة، لم يكن الماء مجرد عنصرٍ من عناصر الطبيعة، بل ارتقى إلى مصافّ الرموز الكونية الكبرى، إذ رأى فيه الإنسانُ القديم سرًّا من أسرار الوجود وجسرًا نحو الخلود. فقد أسبغ عليه المصريون القدماء روحانيةً متعالية، فأقاموا له الشعائر وقرّبوا القرابين تكريمًا لمكانته المقدسة. وعدّه سكانُ بلاد الرافدين منبعَ الخليقة الأصيل، حيث ارتأوا أن الكون قد نشأ من مياه الأزل.

وفي الحضارة الصينية، تجلّى الماء رمزًا للصفاء الداخلي والتوازن الكوني، وقوةً رفيعة قادرة على التشكّل والتأثير رغم هدوئها الظاهر. وفوق كل ذلك وقبله، يبقى الماء أصلَ الحياة في ضوء قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. وتُعبّر الحكمة الصينية عن هذا المعنى العميق بقولها: «قطرات الماء تثقب الحجر»، في دلالةٍ عميقة على أن القوة الناعمة، مهما بدت خافتةً، تمتلك من الأثر ما لا تبلغه القوة الصلبة على مرّ الزمان.
في مقالةٍ سابقة نشرتُها في جريدة الدستور تحت عنوان «انتقام بوتين»، استندتُ إلى جملةٍ من التقارير الموثوقة لتسليط الضوء على الأشكال المتعددة للدعم الروسي في إطار الصراع الإيراني الأمريكي، وشملت: تزويدَ إيران بطائرات مسيّرة، وتقديمَ إحداثيات تتصل بالمصالح الأمريكية في المنطقة، فضلًا عن توفير أنظمة التشويش الإلكتروني ودعم منظومة الحرب الإعلامية.

غير أن تلك التقارير ذاتها لم تُسجّل أي دعمٍ صيني مباشر لإيران على أرض الميدان؛ فلم تُطلق بكين رصاصةً واحدة، ومع ذلك حافظت على حضورٍ فاعل ومؤثر في صياغة ديناميكيات الحرب ورسم ملامح نتائجها.
تنتهج الصينُ في الشرق الأوسط استراتيجيةً تقوم على الصمت المحسوب والغموض المتعمَّد؛ حضورٌ خفيٌّ يُحكم نسج شبكة نفوذه بعيدًا عن الأضواء والصخب.

وعلى النقيض من ذلك، تتسم الاستراتيجيةُ الأمريكية بالتدخل الصريح والهيمنة المباشرة، في مسارٍ يخدم أجندةَ الكيان الصهيوني، ويُورّطها في تعقيدات المنطقة وأتونها، حتى باتت رهينةَ حرب استنزاف مفتوحة لا يبدو أفقُها قريبًا.

وفي المقابل، يبقى الغيابُ الصيني الظاهر مجرّدَ واجهة خادعة؛ إذ تُواصل بكين في الخفاء تشكيلَ معادلات المشهد الإقليمي وصياغةَ مآلاته بيدٍ بارعة وهادئة.
في غضون أيامٍ معدودة قبيل إعلان وقف إطلاق النار، صعّد الرئيس ترامب لهجته التصعيدية، وحرّك قواته العسكرية، فأصابت الاضطراباتُ أسواقَ المال وارتفعت أسعار النفط بصورةٍ لافتة، في مشهدٍ يجسّد نهجًا أمريكيًا راسخًا في إدارة الأزمات: حصارٌ ممنهج، يعقبه إنهاكٌ تدريجي، ثم ضربةٌ حاسمة في اللحظة المحسوبة، ولم يتحرّج الرئيس من التصريح علنًا بنيّة تدمير حضارةٍ بأسرها.

في المقابل، آثرت الصين الصمتَ الاستراتيجي، تُمارس دورها بتأنٍّ وثبات على غرار الماء الذي لا يُدرك أثره في آنه، لكنه ينحت الصخرَ، ويرسم ملامح الواقع على مدى الزمن.
تعتمد الصين اعتمادًا وثيقًا على نفط الشرق الأوسط، وتحتل إيران موقعًا محوريًا في هذه المعادلة؛ إذ يُستورد نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام من هذه المنطقة. وعليه؛ يُشكّل أي نزاعٍ مطوّل تهديدًا مباشرًا لسلاسل الإمداد الحيوية، في حين تنعكس تقلباتُ تكاليف الشحن البحري بصورة فورية على أداء اقتصادها.

ومن هذا المنطلق، وعلى عكس الموقف الروسي، تميل بكين إلى احتواء التصعيد وتبريد جذوته، مدفوعةً بمنظومة مصالح اقتصادية متشعبة ووثيقة الصلة بالولايات المتحدة لا تسمح لها بترف المغامرة.
ومع ذلك، تبدو الكفّة مائلةً لصالح الصين في المحصلة؛ إذ أحسنت استثمار إغلاق المضيق لصالح أهدافها البعيدة، فانتهجت مسارًا تدريجيًّا لترسيخ عملتها بوصفها بديلًا عمليًّا عن الدولار في تسوية صفقات النفط.

وليس المقصود بذلك إزاحة الدولار عن عرشه دفعةً واحدة، غير أن الأثر التراكمي لهذا التوجه كفيلٌ، مع مرور الوقت، بتآكل مكانته، ولا سيما إذا تحوّل إلى نهجٍ تسلكه دولٌ عديدة. ثم جاء اتفاقُ وقف إطلاق النار ليُضاف إلى رصيدها؛ اتفاقٌ قد لا يُنسب الفضلُ في صياغته إليها رسميًا، إلا أنه يتوافق توافقًا تامًا مع منظومة مصالحها، إذ يُبقي على النظام الإيراني ونفطه خارج دائرة الهيمنة الأمريكية، فيما تواصل ناقلاتها استيراد النفط الإيراني في مشهدٍ يجري على مرأى من البوارج الأمريكية دون أن يُثير اعتراضًا يُذكر.
وهذا النهج الصيني الرصين ليس وليدَ اللحظة الراهنة ولا ارتجالًا طارئًا؛ فقد تجلّى بجلاءٍ في رعاية التقارب السعودي–الإيراني عام 2023، حين سلكت بكين مسارًا صامتًا عميق الأثر، يتقدم بخطى متأنية ومحسوبة، ينسج خيوطه بصبرٍ واتقان، خيطًا إثر خيط. على هذا النحو تتسلّل الصين إلى قلب المعادلات الكبرى والأحداث المفصلية، فتكون حاضرةً في صميمها دون أن تُعلن حضورها أو تُبوح بدورها.
بهدوءٍ آسر وصمتٍ إستراتيجي، تمضي الصين في توسيع نفوذها على الصعيد العالمي بثباتٍ وهدوء، في حين تتآكل المكانةُ الأمريكية تحت وطأة الصخب الذي تصنعه بنفسها.

The post الصين.. حين ينتصر الصمت على الصخب appeared first on السبيل.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤