فداء الحمزاوي
ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من مهرجان عشيات طقوس الدولي للمسرح دورة البتراء، انعقد المؤتمر الفكري بعنوان «السردية الأردنية والمسرح»، في المركز الثقافي بالبتراء، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين، لمناقشة العلاقة بين المسرح والتاريخ والمكان، واستحضار البتراء بوصفها فضاءً ثقافياً وحضارياً حاضناً للحكاية والفن والذاكرة.
واستهل المؤتمر المخرج واصف الدلالعة، مدير المهرجان ورئيس الجلسة، مرحباً بالمشاركين والحضور، ومؤكداً أهمية أن يفتح المهرجان مساحات فكرية تتجاوز العرض المسرحي إلى البحث في جذور السردية الأردنية وعلاقتها بالمكان والهوية والثقافة.
وقدمت الدكتورة فاطمة هلالات، مفوضة التنمية المستدامة في سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، كلمة ترحيبية بالحضور والمتحدثين، استحضرت فيها عراقة البتراء وما تمثله من قيمة حضارية وإنسانية، مؤكدة أن المدينة ليست مجرد موقع أثري، وإنما فضاء حي تتقاطع فيه الحضارة والفن والتجارة والإنسان، بما يجعلها مكاناً استثنائياً لطرح الأسئلة المتعلقة بالذاكرة والسرد والمسرح.
من جانبه، تحدث الدكتور فراس الريموني رئيس اللجنة العليا للمهرجان عن «عبق البتراء» وما تختزنه المدينة من إرث حضاري وثقافي يجعلها فضاءً مهماً لاستحضار السردية الأردنية وقراءة علاقتها بالفن. وأكد أن البتراء ليست حجارة صامتة، بل ذاكرة مفتوحة تحمل حكايات الإنسان الذي عاش فيها وأبدع وتفاعل مع الثقافات والحضارات من حوله.
واستعاد الريموني عدداً من الحكايات المرتبطة بفنانين ومبدعين أسهموا في ترسيخ قيمة الفن والثقافة في الأردن، مشيراً إلى أن استحضار هذه التجارب لا يمثل مجرد عودة إلى الماضي، بل يسهم في تعزيز حضور الفن في الوعي الجمعي. كما أكد أن المكان يشكل شريكاً أساسياً في صناعة الحكاية، وأن البتراء بما تحمله من تاريخ وذاكرة يمكن أن تكون مصدراً غنياً للإبداع والكتابة المسرحية، داعياً إلى إعادة قراءة الموروث الأردني وتقديمه للأجيال الجديدة من خلال الفنون، وفي مقدمتها المسرح، القادر على تحويل الذاكرة إلى فعل حي.
وتناول الدكتور سامي الحسنات البعد الهندسي والحضاري للبتراء، موضحاً أن عظمة المدينة لا تكمن في عمارتها المنحوتة في الصخر فحسب، بل في منظومتها المتكاملة التي عكست معرفة متقدمة بالهندسة وإدارة الموارد. وأشار إلى نظام المياه الذي وظفه الأنباط لجمع المياه وتخزينها وتصريفها، بما أسهم في حماية المدينة من مخاطر السيول والانجراف.
كما استعرض الحسنات ما كشفته الحفريات الأثرية من شواهد تعكس الحياة الاجتماعية والثقافية في المدينة، متوقفاً عند العملات النبطية التي تحمل صوراً للملوك والملكات، وما تعكسه من حضور للمرأة ومكانتها في المجتمع النبطي، إلى جانب حديثه عن المسرح بوصفه أحد أبرز الفضاءات العامة التي احتضنت الحياة الثقافية والفنية في المدينة، وقدرته الاستيعابية الكبيرة التي تعكس أهمية هذا الفضاء في الحياة العامة آنذاك.
بدوره، ركز الدكتور سليمان الفرجات على البتراء باعتبارها مركزاً تجارياً وحضارياً وملتقى للقوافل والثقافات، موضحاً أن موقعها على طرق التجارة القديمة أسهم في ازدهارها وتنوع الحياة فيها، كما انعكس على الحضور الاجتماعي والفني، ومنه المسرح الذي كان يشكل مساحة للقاء والتجمع.
وأشار الفرجات إلى أن مساحة مسرح البتراء واتساعه يمثلان دليلاً على العدد الكبير من المهتمين بحضور العروض، لافتاً إلى أن التجار كانوا يجتمعون في المدينة مساءً، وأن المسرح كان أحد الأماكن التي تجمعهم. واستحضر عدداً من المكتشفات الأثرية التي تعكس حضور الموسيقى والفنون الأدائية، من بينها قطع تجسد عازفين وممثلين وفنانين، مؤكداً أن هذه الشواهد تقدم دليلاً على أن الفن كان جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية في البتراء القديمة.
كما تناول الفرجات براعة الأنباط في العمارة والنحت والزخرفة واستثمار الموارد الطبيعية، إلى جانب نظامهم المائي المتقدم، وانفتاحهم التجاري والثقافي على محيطهم، مشيراً إلى أن البتراء كانت نموذجاً للتفاعل بين الحضارات والثقافات.
وتوقف الفرجات عند المكانة العالمية التي اكتسبتها البتراء، بعد اختيارها عام 2007 ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة، لتتكرس مكانتها بوصفها واحدة من أبرز المعالم الحضارية والأثرية في العالم.
وشكلت المداخلات بمجملها قراءة متعددة الأبعاد للبتراء، تجاوزت النظر إليها بوصفها موقعاً أثرياً إلى اعتبارها فضاءً حياً للذاكرة والحكاية والفن، بما يعزز حضور المكان في صياغة السردية الأردنية، ويفتح أمام المسرح والفنون إمكانات واسعة لإعادة قراءة التاريخ واستحضار الإنسان الذي صنع هذه الحضارة.
وفي ختام المؤتمر، جرى تكريم الدكتور سامي الحسنات، والدكتور سليمان الفرجات، والدكتورة فاطمة هلالات تقديراً لمشاركتهم وإسهاماتهم في إثراء محاور المؤتمر، الذي يأتي ضمن البرنامج الفكري لمهرجان عشيات طقوس الدولي للمسرح في دورته التاسعة عشرة، الهادف إلى الجمع بين العروض المسرحية والبحث والحوار الثقافي، واستثمار خصوصية البتراء بوصفها فضاءً تاريخياً وثقافياً لإنتاج أسئلة حول المكان والفن والذاكرة والهوية.






هذا المحتوى «السردية الأردنية والمسرح» يستحضر تاريخ البتراء ودورها في تشكيل المشهد الثقافي والفني ظهر أولاً في سواليف.


